محددات استقلالية الأجهزة الرقابية.. ديوان المحاسبة أنموذجا

إيمان الفارس عمان - في وقت تتجه فيه تقارير الرقابة الدولية إلى توسيع مفهوم استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية ليشمل ما هو أبعد من النصوص الدستورية والضمانات القانونية، يبرز نقاش مؤسسي متزايد حول دور العوامل غير الرسمية في تشكيل هذه الاستقلالية وترسيخها، خصوصا تلك المرتبطة بالثقة المؤسسية والسمعة المهنية وآليات اختيار القيادات داخل الأجهزة الرقابية.

وتقود مؤشرات تحليلية إلى أن استقرار استقلالية ديوان المحاسبة ضمن منظومة الحوكمة والمساءلة العامة، يتطلب مقاربة مزدوجة، تجمع بين تعزيز الإطار القانوني من جهة، وترسيخ عناصر الثقة المؤسسية والسمعة المهنية من جهة أخرى، بما يحول الاستقلالية من مفهوم قانوني إلى ممارسة واقعية مستدامة تعزز فاعلية الرقابة وحماية المال العام.

ولا يمكن قراءة استقلالية ديوان المحاسبة باعتبارها نتاجا حصريا للإطار القانوني، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين الضمانات التشريعية من جهة، والبيئة المؤسسية المحيطة من جهة أخرى، بما في ذلك طبيعة التعيين، ومستوى الشفافية في اختيار القيادات، ومدى القبول العام بقرارات الجهاز الرقابي.

وتلفت هذه المؤشرات إلى أن السمعة المهنية لقيادات الأجهزة الرقابية، باتت تمثل عنصرا مكملا للاستقلالية القانونية، إذ تسهم في تعزيز الثقة بموضوعية القرارات الرقابية، وتقلل من التصورات المرتبطة بالتأثيرات السياسية أو الاعتبارات غير المهنية، بما ينعكس مباشرة على قوة تقارير التدقيق وقابلية تنفيذ توصياتها.

وفي هذا السياق، تتقاطع المعطيات مع ما ورد في تقرير دولي حديث تناول تجربة ديوان المحاسبة، والذي أشار إلى أن الخلفية المهنية والأكاديمية لقيادته، وعدم ارتباطها بمسارات سياسية أو حزبية، أسهما في تعزيز الصورة الذهنية للمؤسسة بوصفها جهة رقابية تتمتع بدرجة أعلى من الحياد والاستقلالية.

وأوضح هذا التقرير أن تقييم استقلالية الأجهزة الرقابية لم يعد يقتصر على الأطر القانونية وحدها، بل بات يشمل عناصر مثل الثقة العامة، والسمعة المؤسسية، وطبيعة العلاقات داخل منظومة المساءلة، وكيفية تفاعل الفاعلين المؤسسيين مع الجهاز الرقابي.

عوامل النجاح

وعودة لتفاصيل التقرير ذاته، والذي حصلت "الغد" على نسخة منه، كشف التقرير الدولي الصادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) ومعهد تنمية الإنتوساي (IDI) حول "تعزيز استقلالية الأجهزة العليا للرقابة المالية"، أن حالة ديوان المحاسبة الأردني تعد مثالا بارزا على الدور المتزايد للعوامل غير الرسمية في تعزيز استقلالية مؤسسات الرقابة العليا، إلى جانب الأطر القانونية التقليدية.

وبحسب التقرير، فإن رئيس ديوان المحاسبة الأردني الحالي ينحدر من خلفية أكاديمية، وليس من مسار سياسي أو حزبي، وهي سمة لا تعد شرطا قانونيا في الأردن، لكنها تنظر إليها من قبل الأطراف التي تمت مقابلتها خلال الدراسة الميدانية باعتبارها "أصلا يعزز السمعة المؤسسية"، ويعكس مستوى عاليا من الخبرة الفنية والانضباط المنهجي والالتزام بالمعايير المهنية.

ويشير التقرير إلى أن هذه الخلفية المهنية أسهمت في تعزيز الانطباع بأن قيادة الديوان أقل عرضة للتأثيرات أو الاعتبارات السياسية، الأمر الذي انعكس إيجابا على مستوى الثقة في موضوعية المؤسسة، ورسّخ التصور بأنها تعمل بدرجة مرتفعة من الاستقلالية في أداء مهام الرقابة والمساءلة.

كما يلفت التقرير إلى أن "السمعة المؤسسية" لرئيس الجهاز الأعلى للرقابة تؤدي دورا محوريا في تشكيل الثقة العامة بالمؤسسة منذ لحظة التعيين، موضحا أن هذه الثقة لا تتوقف فقط على الإطار القانوني، بل تتأثر أيضا بكيفية تنفيذ إجراءات التعيين على أرض الواقع.

وفي السياق ذاته، يبرز التقرير وجود تحديات مرتبطة بالشفافية في بعض حالات التعيين في الأجهزة العليا للرقابة، مثل محدودية الإفصاح عن معلومات المرشحين، أو إجراء بعض التعيينات ضمن جلسات مغلقة، إضافة إلى غياب التوثيق الكامل لأسس اختيار القيادات، وهي عوامل قد تؤثر على مستوى إدراك الاستقلالية المؤسسية.

ويؤكد التقرير أن استقلالية الأجهزة العليا للرقابة، لا تتحدد فقط عبر الضمانات الدستورية والقانونية، بل تتشكل أيضاً من خلال عوامل غير رسمية تشمل الثقة المؤسسية، والسمعة المهنية، وطبيعة العلاقات داخل منظومة المساءلة، إضافة إلى كيفية تفاعل الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين مع الأجهزة الرقابية.

ويخلص التقرير إلى أن تعزيز استقلالية ديوان المحاسبة الأردني، كما هو الحال في الأجهزة المماثلة عالميا، يعتمد على مزيج من الإطار القانوني الصلب من جهة، وتعزيز عناصر الثقة والشفافية والسمعة المهنية من جهة أخرى، بما يضمن ترسيخ دوره في منظومة الحوكمة والمساءلة العامة.

تعزيز الثقة العامة

وفيما يتسع النقاش حول استقلالية الأجهزة العليا للرقابة وما إذا كانت تقتصر على الضمانات القانونية أم تمتد لعوامل مؤسسية غير رسمية، يقول أستاذ القانون الدستوري في الجامعة الأردنية د. ليث نصراوين، في تصريحات لـ"الغد"، إن استقلالية هذه الأجهزة لا ترتبط فقط بالضمانات الدستورية والقانونية التي تحدد اختصاصاتها وتحميها من أي تدخل خارجي في شؤونها، وإنما تتأثر أيضا بعوامل مؤسسية غير رسمية تعزز الثقة العامة بحيادها وتجردها.

ويشير نصراوين إلى أن السمعة المهنية لقيادات هذه الأجهزة وشفافية إجراءات اختيارهم، تعد من العناصر.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 11 ساعة
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ 6 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 5 ساعات
خبرني منذ 13 ساعة
خبرني منذ 4 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات
خبرني منذ 8 ساعات
خبرني منذ 55 دقيقة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ ساعة