صابرين الطعيمات جرش - في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة الحديثة وتتراجع أمامها الكثير من المهن التقليدية والحرف التراثية التي شكلت جزءاً من ذاكرة المجتمع الأردني، تبرز قصص نجاح فردية استطاعت أن تقاوم النسيان وتحافظ على الموروث الثقافي للأجيال القادمة، ومن بين هذه النماذج الملهمة تبرز تجربة الفنان والحرفي غسان العياصرة، الذي نجح بإمكانات ذاتية وجهود شخصية في تأسيس متحف تراثي في بلدة ساكب بمحافظة جرش، ليصبح معلما ثقافيا وسياحيا يوثق تاريخ المكان ويحفظ تفاصيل الحياة القديمة التي عاشها الآباء والأجداد.
هذه المبادرة لم تأتِ من مؤسسة رسمية أو مشروع استثماري كبير، وإنما انطلقت من شغف شخصي بالفن والتراث ورغبة حقيقية في حماية المقتنيات القديمة من الضياع والاندثار، ومع مرور السنوات تحولت الفكرة إلى مشروع متكامل يضم مئات القطع التراثية والفنية التي تعكس الهوية الثقافية والتاريخية لمحافظة جرش، المدينة التي تعد من أبرز الوجهات السياحية والأثرية في الأردن والعالم.
وقال العياصرة في حديث خاص لـ"الغد" إلى أن الكثير من الأدوات التراثية والمقتنيات القديمة اختفت من البيوت الأردنية خلال العقود الأخيرة نتيجة التغيرات الاجتماعية والتكنولوجية، ما أدى إلى فقدان جزء من الذاكرة البصرية التي كانت توثق أنماط الحياة القديمة، ومن هنا جاءت أهمية المتاحف التراثية الخاصة التي باتت تشكل خزائن للذاكرة الوطنية، تحفظ تفاصيل الحياة اليومية للأجداد وتقدمها للأجيال الجديدة بصورة حية وواقعية، ويعد متحف غسان العياصرة نموذجا لهذا الدور، إذ يضم مجموعة كبيرة من الأدوات الزراعية القديمة والأواني المنزلية والتحف التراثية والأعمال الفنية التي توثق مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.
وأضاف العياصرة أن متحفه لا يقتصر دوره على عرض المقتنيات فقط، بل يتعدى ذلك إلى تقديم رواية متكاملة عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية التي عاشها سكان جرش والقرى المحيطة بها عبر عقود طويلة، ما يجعله محطة ثقافية وتعليمية للزوار والباحثين والمهتمين بالتراث.
وعندما يتجول الزائر داخل المتحف يلمس حضور جرش في معظم التفاصيل المعروضة ويلمس العالم الإسلامي القديم والتراث والتاريخ والحضارات التي مرت فيها بلاد الشام والعالم الإسلامي والحضارات القديمة فالمكان يحمل بصمة المدينة التي عرفت عبر التاريخ بأنها واحدة من أهم المدن الرومانية في المنطقة وفق العياصرة.
وتنعكس هوية جرش التاريخية في العديد من الأعمال الفنية التي أبدعها العياصرة، حيث تضم قاعات المتحف مجسمات ولوحات وأعمالاً يدوية مستوحاة من المعالم الأثرية الشهيرة في المحافظة، إضافة إلى قطع تجسد الطابع العمراني والتراثي للمدينة.
ويؤكد مهتمون بالشأن السياحي أن مثل هذه المبادرات تسهم في تعزيز المنتج السياحي لمحافظة جرش، إذ تمنح الزائر تجربة مختلفة تكمل زيارته للمواقع الأثرية والتاريخية المعروفة، وتعرفه على جوانب أخرى من التراث الشعبي والحياة الاجتماعية التي شكلت هوية المكان عبر الزمن.
ما يميز تجربة غسان العياصرة عن غيرها من التجارب التراثية هو نجاحه في الجمع بين الحفاظ على التراث ونشر ثقافة إعادة التدوير، فالفنان الذي أمضى سنوات طويلة في العمل الحرفي والفني استطاع أن يحول مواد ومخلفات بيئية كان مصيرها التخلص منها إلى أعمال فنية تحمل قيمة جمالية وثقافية كبيرة، أغصان الأشجار اليابسة، وقطع الخشب المهملة، وبعض المواد المستهلكة التي يراها البعض عديمة الفائدة، تتحول بين يدي العياصرة إلى مجسمات وتحف فنية تجسد معالم تاريخية وشخصيات تراثية ومشاهد من الحياة القديمة.
وتعكس هذه الأعمال رسالة بيئية مهمة تؤكد أن النفايات ليست دائماً نهاية دورة الحياة للمواد، بل يمكن أن تصبح بداية لفكرة إبداعية جديدة تساهم في حماية البيئة وتقليل الهدر وتعزيز ثقافة الاستدامة.
ارتبط اسم غسان العياصرة بمهرجان جرش للثقافة والفنون منذ سنوات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
