حين يسافر الجسد ويبقى الوطن معلّقًا على جدار القلب

وصلتُ مساء يوم الجمعة إلى جنوب غرب لندن، في زيارةٍ تمتد ثلاثة أسابيع، جئتُ فيها لأستمتع بصحبة حفيدي نارت، ولأعيش قربه تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح العمر معنى لا تستطيع السنوات وحدها أن تمنحه. فالأحفاد لا يضيفون أيامًا إلى أعمارنا فحسب، بل يعيدون إلينا طفولةً ظننّا أنها غابت، ويجعلون القلب يبدأ من جديد، كأن الزمن حين يمرّ بهم يتراجع قليلًا ليمنحنا فرصة أخرى للحب. وفي بيت ابني الدكتور رائد، وقعت عيناي على هذه الرتب والشارات التي ما زال يحتفظ بها منذ خدمته في الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية. كانت معلّقة أمامي في صمت، غير أن صمتها لم يكن فراغًا؛ كان ممتلئًا بأصوات الأيام، وخطوات الجنود، ونداء الواجب، ووجوه المرضى، وبذلك الشعور العميق الذي لا يعرف معناه إلا من ارتدى شرف الخدمة يومًا، وحمل مسؤولية الوطن فوق كتفيه وفي ضميره. ليست هذه الرتب مجرد قطعٍ من القماش والمعدن، وليست آثارًا لمهنة انتهت أو مرحلة طواها الزمن. إنها أجزاء من سيرة إنسان، وشواهد على زمنٍ عاشه ابني بين الانضباط والرحمة، وبين هيبة الجندية وقداسة الطب. لقد كانت الرتبة على كتفه، لكن معناها كان في قلبه؛ لأن الرتب قد تُنزع عن الزي، أما القيم التي غرستها فلا تُنزع من الروح. مضى على مغادرته الخدمة أكثر من عشر سنوات، وتغيّرت المدن والطرقات، وانتقلت حياته من سماء الأردن إلى سماء جنوب غرب لندن، لكنه ما زال حين يتحدث عن الجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية يتحدث بلغة الحنان. ولا يستعمل الحنان عادةً في الحديث عن المؤسسات العسكرية، لكنني أدركت أن الإنسان لا يحنّ إلى المباني والرتب وحدها، بل يحنّ إلى الجزء من نفسه الذي وُلد هناك؛ إلى شبابه، وزملائه، وأيام الخدمة، وإلى الوطن حين كان يراه كل صباح في العلم والزي والتحية والواجب. كان صوته وهو يستعيد تلك السنوات يشبه صوت من يتحدث عن بيتٍ قديم غادره، لكنه لم يغادره من الداخل. فبعض الأماكن نسكنها زمنًا، وبعضها يسكننا إلى الأبد. والجيش العربي الأردني والخدمات الطبية الملكية لم يكونا في حياته مجرد مكانٍ للعمل، بل كانا مدرسةً صاغت في داخله معنى الالتزام، وربطت الطب بالواجب، والعلم بالشرف، وخدمة الإنسان بخدمة الوطن. قد يبتعد الإنسان عن بلاده آلاف الأميال، لكن المسافة لا تستطيع أن تقيس مقدار الوطن في قلبه. فالوطن ليس حدودًا نغادرها عند بوابة المطار، ولا عنوانًا يُكتب في جواز السفر، ولا أرضًا نراها فقط حين نعود إليها. الوطن هو ذلك الصوت الخفي الذي يرافقنا في الغربة، وهو القيم التي تظهر في أفعالنا، وهو الاسم الذي يلمع في.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 7 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
خبرني منذ 10 ساعات
صحيفة الرأي الأردنية منذ 10 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 7 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
قناة رؤيا منذ 18 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 4 ساعات
خبرني منذ 17 ساعة