لا تُقاس قوة القانون بعدد مواده ولا بوفرة نصوصه، بل بقدرته على أن يكون مفهوماً لمن يخاطبهم؛ فالعدالة التي لا تُفهم تظل ناقصة الأثر مهما بلغت دقة النصوص وإحكامها، لأن الغاية النهائية من القانون ليست مجرد تنظيم الحياة، بل بناء الثقة بين الإنسان والنظام الذي يحكمه، وهو ما تعكسه التطورات التشريعية الحديثة في بلادنا الغالية، التي اتجهت نحو تعزيز الوضوح وتكريس اليقين القانوني في مختلف المجالات .
يسير القانون في حياة الناس كما يسير الضوء في الممرات الضيقة؛ لا يفرض نفسه بالقوة، بل يتسلل إلى الوعي، يضيء ما ينبغي أن يُرى، ويترك ما عداه في الظل. غير أن هذا الضوء قد يخفت حين تُثقل اللغة جناحيه، فيتحول من رسالة موجهة إلى البشر إلى نص غامض لا يفهمه إلا من تمرّس في دهاليز المصطلحات والتعابير الفنية. وهنا تبدأ الحكاية؛ حكاية قانون يريد أن يكون عادلاً، لكنه يجد نفسه أسيراً للغته، وحكاية مجتمع يريد أن يفهم، لكنه يصطدم بجدار من التعقيد لا يعرف كيف يتجاوزه. فالقانون، في جوهره، ليس مجموعة من الأوامر والنواهي فحسب، بل هو محاولة إنسانية لصياغة الحياة نفسها في كلمات. هو جهد يرمي إلى تنظيم العلاقات، وحماية الحقوق، وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة، وصون الكرامة الإنسانية من العبث والاعتداء. غير أن هذا الجهد لا يكتمل إلا إذا استطاعت اللغة أن تكون جسراً لا حاجزاً، ونوراً لا ظلاً، وطريقاً لا متاهة. فالنص الذي لا يُفهم لا يُطاع على الوجه المأمول، والنص الذي لا يُطاع يفقد جزءاً من فاعليته وشرعيته الاجتماعية مهما بلغت دقته ومهما علت منزلته النظامية. ومن هنا تنشأ مفارقة قانونية وفلسفية عميقة: كيف يمكن للغة أن تكون دقيقة بما يكفي لضبط السلوك الإنساني، وواضحة بما يكفي ليهتدي بها الناس؟ يبدو السؤال بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه في حقيقته سؤال عن طبيعة العدالة ذاتها، وعن العلاقة بين الإنسان والنص، وبين الغاية والوسيلة، وبين الشكل القانوني والمضمون الأخلاقي. فالقانون لا يعيش في الكتب وحدها، بل يعيش في سلوك الأفراد، وفي قرارات القضاة، وفي فهم المواطنين لما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات. ولهذا تختلف الأنظمة القانونية في كيفية الإجابة عن هذا السؤال. فهناك من يميل إلى كتابة النصوص بأسلوب شديد الدقة، محاط بقيود وتعريفات واستثناءات كثيرة خشية أن يتسلل إليها التأويل أو الغموض.
وفي المقابل، توجد تجارب تشريعية تسعى إلى تقريب القانون من الناس، فتستخدم لغة أكثر وضوحاً وأقرب إلى الفهم العام، انطلاقاً من قناعة مفادها أن القانون لا يحقق غايته إذا تعذر على المخاطبين به فهمه واستيعاب مقاصده. وبين هذين الاتجاهين تتحرك التشريعات المعاصرة بحثاً عن توازن دقيق بين الوضوح والدقة، وبين الصرامة والمرونة، وبين النص وروحه.
وهذا التوازن ليس ترفاً فكرياً أو مطلباً جمالياً في الصياغة، بل ضرورة عملية تمس جودة العدالة ذاتها. فالقانون الذي يغرق في التعقيد قد يتحول إلى نص جامد يصعب تطبيقه، بينما القانون الذي يفرط في التبسيط قد يفقد قدرته على الضبط والتنظيم. والنجاح التشريعي الحقيقي يكمن في القدرة على الجمع بين الوضوح والإحكام دون التضحية بأحدهما لحساب الآخر.
ويُعد الأمن القانوني أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها الدولة الحديثة إذ يقتضي أن تكون القواعد القانونية واضحة ومستقرة وقابلة للتوقع، بحيث يستطيع الأفراد ترتيب شؤونهم ومعرفة الآثار القانونية المترتبة على أفعالهم وتصرفاتهم. فكلما ازدادت النصوص وضوحاً، تعززت الثقة بالنظام القانوني، وتراجعت مساحات النزاع والالتباس، وأصبح القانون أداة للاستقرار بقدر ما هو أداة للضبط والتنظيم. ويظهر أثر اللغة القانونية الغامضة بوضوح في التشريعات الضريبية، حيث يتحول النص أحياناً إلى متاهة لغوية لا يستطيع المواطن العادي الخروج منها بسهولة. فالتعقيد المفرط في تحديد الالتزامات المالية وآليات احتسابها واستثناءاتها يفتح الباب أمام اختلافات واسعة في التفسير، ويؤدي إلى منازعات طويلة بين المكلفين والجهات الإدارية.
وفي المقابل، أثبتت العديد من التجارب الدولية أن تبسيط النصوص الضريبية وإرفاقها بالأمثلة التطبيقية والجداول التوضيحية يسهم في رفع مستويات الامتثال الطوعي وتقليل النزاعات وتعزيز الثقة بين المواطن والإدارة العامة.
فحين يفهم الإنسان ما عليه، يصبح أكثر استعداداً للوفاء به وأكثر اقتناعاً بعدالته ومشروعيته. ثم نأتي إلى مجال القانون الجنائي، وهو المجال الذي تتحدد فيه معالم الحرية الفردية وتُصان فيه الحقوق الأساسية للإنسان.
وهنا تتضاعف أهمية الوضوح التشريعي، لأن الغموض لا ينعكس على الامتثال فحسب، بل قد يمتد أثره إلى جوهر الحريات والضمانات القانونية. ولذلك ارتبط القانون الجنائي تاريخياً بمبدأ الشرعية، القائم على ضرورة أن تكون الأفعال المجرمة والعقوبات المقررة محددة بصورة واضحة ومعلومة سلفاً. وتزداد أهمية الضبط التشريعي في المصطلحات الجنائية لما يترتب عليها من آثار تمس الحقوق والحريات، الأمر الذي يقتضي صياغة دقيقة تحدد نطاق التجريم بصورة واضحة ومتوقعة.
فكلما ازدادت دقة المفاهيم القانونية، تعزز اليقين النظامي، وازدادت قدرة الأفراد على معرفة الحدود الفاصلة بين المشروع وغير المشروع. أما العبارات العامة غير المنضبطة فقد تفتح المجال لاختلافات واسعة في الفهم والتطبيق، وهو ما يتعارض مع متطلبات العدالة القانونية واستقرار المراكز النظامية. ومع ذلك، فإن بعض المفاهيم القانونية لا يمكن أن تستقيم دون قدر من المرونة المقصودة، مثل حسن النية والسبب المشروع والتعسف في استعمال الحق.
فهذه المفاهيم لا تهدف إلى خلق الغموض، وإنما إلى تمكين القاضي من تحقيق العدالة في الوقائع المتنوعة التي لا يمكن للنصوص الجامدة أن تستوعب جميع صورها. غير أن هذه المرونة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
