يواجه الاقتصاد الصيني صعوبات متزايدة في تنشيط الطلب المحلي، رغم تأكيد الرئيس الصيني شي جينبينغ مطلع العام الجاري أن الاستهلاك والاستثمار سيكونان المحركين الرئيسيين للنمو خلال 2026، في وقت تكشف فيه البيانات الاقتصادية الأخيرة عن تباطؤ متجدد يهدد آفاق التعافي.
بحسب صحيفة «فايننشال تايمز»، تواجه بكين تحديات متزايدة في تحفيز الاستهلاك والاستثمار، بعدما أظهرت المؤشرات الرسمية تراجعاً في النشاط الاقتصادي خلال الأشهر الأخيرة، ما بدد جانباً من التفاؤل الذي ساد في بداية العام.
وكان الزعيم الصيني قد دعا خلال اجتماع رفيع المستوى لصناع السياسات الاقتصادية في ديسمبر الماضي إلى «تنسيق الجهود لتعزيز الاستهلاك وتوسيع الاستثمار»، وفقاً لمقال نُشر في فبراير الماضي في المجلة النظرية الرئيسية للحزب الشيوعي الصيني.
لكن بعد مرور ستة أشهر، تبدو النتائج أقل من التوقعات، حيث سجلت مبيعات التجزئة تراجعاً خلال مايو الماضي للمرة الأولى منذ عام 2022، ما يعكس استمرار ضعف ثقة المستهلكين وترددهم في الإنفاق، رغم انتهاء تداعيات جائحة كورونا منذ سنوات.
كما عادت مؤشرات الاستثمار إلى الانخفاض، إذ تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 4.1% خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام مقارنة بالفترة نفسها من 2025، في أسوأ أداء منذ المراحل الأولى لتفشي فيروس كورونا.
فريدريك نيومان، كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا لدى بنك «إتش إس بي سي»، قال إن الاقتصاد الصيني يشهد تباطؤاً جديداً، مضيفاً أن «التفاؤل الذي ساد في بداية العام بدأ يتلاشى سريعاً».
المستثمرون الأجانب يضخون 600 مليار دولار في الأسهم الصينية
تحديات هيكلية
تسلط هذه التطورات الضوء على معضلة مزمنة تواجه صناع القرار في بكين، تتمثل في الحاجة إلى تقليص اعتماد الاقتصاد على نموذج النمو القائم على الاستثمار والصادرات، من دون وجود بدائل واضحة وقادرة على تعويض هذا الدور.
ورغم استمرار الصادرات في دعم النشاط الاقتصادي، فإنها تثير في الوقت ذاته توترات متزايدة مع الشركاء التجاريين الرئيسيين، خصوصاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وسجلت الصادرات الصينية نمواً بنسبة 19% في مايو الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
في المقابل، لا يزال القطاع العقاري يشكل نقطة ضعف رئيسية للاقتصاد الصيني، إذ يدخل عامه الخامس من التباطؤ، ما ينعكس سلباً على ثقة المستهلكين اذ انخفضت أسعار المنازل الجديدة بنسبة 0.2% خلال مايو في 70 مدينة صينية مقارنة بالشهر السابق.
ويرى محللون أن تراجع مبيعات التجزئة يعود جزئياً إلى تراجع أثر برنامج استبدال السلع الاستهلاكية الذي دعم خلال الفترة الماضية قطاعات مثل الأجهزة المنزلية والسيارات.
ضغوط على الاستثمار
على صعيد الاستثمار، أشار لوغان رايت، المحلل لدى «روديوم غروب»، إلى أن ارتفاع تكاليف المدخلات المرتبطة بحرب إيران ألقى بظلاله على مشروعات البنية التحتية، في وقت لم تتمكن فيه الاستثمارات الصناعية من تعويض هذا الضعف، موضحاً أن ضعف الاستهلاك في الصين يبدو أكثر ارتباطاً بعوامل هيكلية طويلة الأمد، مقارنة بالتحديات المؤقتة التي تواجه الاستثمار.
وفي الوقت نفسه، يلفت بعض الاقتصاديين إلى أن تراجع الاستثمار لا يعكس بالضرورة ضعفاً كاملاً في النشاط الاقتصادي، إذ تعمل الحكومة على تقليص الاستثمارات منخفضة العائد وإلغاء مشاريع لا تتمتع بجدوى اقتصادية كافية، خصوصاً في قطاعات الطاقة المتجددة.
بدوره، قال لين سونغ، كبير الاقتصاديين لشؤون الصين لدى بنك «آي إن جي»، إن السلطات الصينية تعمل على الحد من الاستثمارات المكررة أو ضعيفة المردود، مشيراً إلى إلغاء عدد من مشاريع طاقة الرياح والطاقة الشمسية بسبب مخاوف تتعلق بالجدوى الاقتصادية.
وأضاف أن الاقتصاد الصيني وصل إلى مرحلة تتراجع فيها العوائد المتحققة من التوسع الإضافي في استثمارات البنية التحتية.
سفينة شحن تابعة لشركة كوسكو للشحن راسية في محطة حاويات التجارة الخارجية بميناء تشينغداو، في مقاطعة شاندونغ شرقي الصين، يوم 25 مارس 2026.
الصادرات ما زالت توفر الدعم
رغم الضغوط التي تواجه الاستثمار المحلي، لا تزال القطاعات المرتبطة بالتصدير تحقق أداء أفضل من بقية الأنشطة الاقتصادية، بحسب سونغ.
وكان فائض الميزان التجاري الصيني في السلع قد سجل مستوى قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار خلال العام الماضي، بينما ارتفعت الواردات خلال الأشهر الأخيرة بوتيرة أسرع من الصادرات، مسجلة نمواً بنسبة 27% في مايو.
وقال آدم وولف، الاقتصادي لدى شركة «أبسلوت ستراتيجي ريسيرش»، إن ارتفاع الواردات يعود جزئياً إلى زيادة أسعار بعض المكونات التقنية، ولا سيما أشباه الموصلات، مع استفادة قطاع التكنولوجيا الصيني من الطفرة العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن الخدمات الموجهة للشركات تحقق أداءً جيداً نسبياً، بينما تظل السلع والخدمات المرتبطة بالمستهلكين الحلقة الأضعف في الاقتصاد، إضافة لعدم وجود مؤشرات قوية على تحول جوهري في السياسات الاقتصادية الصينية حتى الآن، خصوصاً فيما يتعلق بدعم الاستهلاك المباشر للأسر، مبيناً أنه رغم أن مستهدف النمو الاقتصادي الرسمي للصين يعد الأدنى منذ عقود، فإنه لا يزال يستهدف تحقيق نمو لا يقل عن 4.5% خلال العام الجاري.
الصين توسّع نفوذ اليوان عالمياً عبر التجارة المتنامية مع إفريقيا
نموذج اقتصادي يصعب التخلي عنه
ويرى نيومان أن الصين لم تعتمد تاريخياً على سياسات نشطة لإدارة الطلب من خلال تحفيز الاستهلاك، مشيراً إلى أن هيكل الاقتصاد لا يزال قائماً بدرجة كبيرة على الاستثمار.
وأضاف أن استدامة النمو على المدى الطويل ستظل محل تساؤل ما لم تنجح بكين في تسريع التحول نحو نموذج اقتصادي أكثر اعتماداً على الطلب المحلي والاستهلاك.
كما أكد التقرير أنه رغم إدراك القيادة الصينية للمخاطر المرتبطة بالنموذج الحالي، فإن تغيير هذا النهج يظل تحدياً معقداً، نظراً لاعتماد قطاعات وشركات كبرى على منظومة الاستثمار التي قادت النمو الاقتصادي الصيني طوال العقود الأربعة الماضية.
وختم نيومان بالقول «إن نجاح هذا النموذج على مدى سنوات طويلة يجعل من الصعب سياسياً ونفسياً الإقرار بأنه بات بحاجة إلى تغيير جذري».
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

