لماذا يُغضبهم مشهدُ تخرج الأئمة من الأكاديمية العسكرية؟

بمجرد أن أذيع مشهد حضور السيسى لفعالية تخرج الدورة الثالثة لأئمة وزارة الأوقاف دفعة الإمام حسن العطار فى الأكاديمية العسكرية، شنت بعض المنصات معروفة التوجه حملاتَ هجومٍ هستيرى ضد هذا المشهد. بدأ موقع (الموقف المصرى) الهجوم ثم تلقفته الصفحات المشابهة، واتكأ الهجوم على محاولة تمرير عدد من الإدعاءات من المفيد أن نتناولها بالتدقيق ونبين مدى زيفها. وسأعرض هذه الإدعاءات كما وردت نصا على منصة (الموقف المصرى)، كما سأوضح السبب الحقيقى أو السر خلف هذه الموجة الهستيرية من الهجوم.

(1)

أول عنوان جانبى فيما نشرته هذه المنصة كان (نظرة دونية للمدنيين). وتحت هذا العنوان وردت هذه الفقرات (مع تخريج كل دفعة من الأئمة.. يحتدم النقاش حول دور المؤسسة العسكرية فى إدارة الشأن العام خصوصا أن الجيش فى كل بلاد العالم لا علاقة له بتخريج الأئمة..عشان ندرك لا منطقية اللى حاصل ممكن نتخيل الجيش الأمريكى وهو بيعمل دورات تدريبية للقساوسة مثلا؟ أو الجيش الفرنسى بيعمل برنامج تأهيلى للمدرسين...هيمنة الجيش على ملف التدريب التعيين فى الدولة موضوع فريد خاص بمصر لدرجة أنه حتى الجيش الباكستانى اللى مسيطر على القرار السياسى فى بلده مفكرش فيها.)

قطعا للوهلة الأولى قد تخدع هذه العبارات بعض قارئيها، لكن مع التفكير للحظات يبدو جليا كم ما ورد بها من مغالطات فجة. لأن أى مقارنة فى الشأن السياسى بين نموذجين لا تصح إلا من حيث المبدأ إلا إذا تساوت أو تشابهت المفردات بين كلٍ من النموذجين. فمفردات الحالة المصرية فيما يخص هذا الملف هى أيضا حالة متفردة. ففى الحالة المصرية، قام أئمة الأوقاف فى أكثر من أربعة عقودٍ من بعد حرب أكتوبر المجيدة وحتى انتخابات عام 2012م تحديدا بدورٍ سياسى خالص لا مثيل له فى الحالات أو نماذج الدول التى أوردها (الموقف المصرى.) ولم يكن تفرد الحالة المصرية فقط فى قيام الأئمة بهذا الدور السياسى الخالص، إنما الأخطر هو طبيعة هذا الدور السياسى. كان دورا سياسيا تعبويا يتضاد تماما مع الأسس القائمة عليها الدولة ذاتها، وعلى الأقل فمن عاصروا ما حدث فى انتخابات 2012م يذكر جيدا استغلال منابر المساجد فى خطب الجمعة لتعبئة الجماهير المصرية سياسيا لصالح جماعات دينية تقوم فى أساسها على فكرة تتضاد مع فكرة الدولة القانونية المدنية وتدعو لقيام نظام حكم ثيوقراطى. فقساوسة أمريكا لم يقوموا بدورٍ سياسى مثل ما فعله أئمة مصر. ولا المعلمين فى فرنسا يجرأون على محاولة بث أفكار جماعة انفصالية فى عقول الصغار كما فعل بعضهم فى مصر فى سنواتٍ سابقة..

النقطة الثانية، أنه فى الحالة المصرية يصر رجال الدين أن من حقهم أن يتداخلوا - بالقول وتوجيه العامة فى كل مفردات الحياة المصرية. وكما نسمع كل جمعة فهناك بعض العناصر التى يصر الأئمة أن تكون حاضرة فى خطبهم، مثل عنصر التاريخ، وأحيانا التعرض لمسائل سياسية - بعضها شائك وله المسؤلون عنه من مؤسسات أخرى وخلطها بالدين دون أن يكونوا ملمين بكل الجوانب السياسية الخاصة بكل مسألة.

ثالثا وهو الأهم، اعتاد بعض الأئمة شأن باقى المواطنين أن يحصلوا على معلوماتهم عن بعض تلك المسائل التى يصرون على التداخل فيها من وسائل التواصل الإجتماعى. وهذه الوسائل كما أصبح معلوما للجميع أصبحت أحد أهم أسلحة التزييف وتوجيه الرأى العام. وإن كان خطر سقوط مواطن عادى فى هذا الفخ ربما يقتصر على تزييف رأيه هو فقط، فإن الخطورة فى سقوط إمام مسجد فى نفس الفخ أشد تأثيرا ولا شك لأنه سوف يقوم بتوجيه قطاع كبير من المصريين توجيها خاطئا، إن لم يكن فى خطبة الجمعة، فسيكون ذلك فى دروس المساجد أو الجلسات الخاصة مع هذه الثقة والإحترام الذين يمنحهما المواطن المصرى بصفة عامة لرجل الدين.

(2)

مع هذه المعطيات تداخل الأئمة فى مفردات حياة وثقافة ورؤى المصريين من ناحية، وعدم تأهيلهم احترافيا لكيفية انتقاء مصادر معلوماتهم أصبح لزاما البحث عن آليات لتأهيل الأمة تأهيلا صحيحا من حيث المعلومات التاريخية أو العلوم السياسية، ومن حيث تأهيلهم لكيفية الحصول على المعلومات بطريقة صحيحة، حتى نصل بمصر لمرحلة يقتنع فيها الجميع بأن رجل الدين لا شأن له بِأمور السياسة. فإذا كان الحديث التاريخى مما يهواه الأئمة، فلا بد أن يكون حديثا صحيحا شاملا لكل تاريخ مصر وأن يكون طرحهم للتاريخ الإسلامى موضوعيا ليس خياليا فقط لمداعبة مشاعر العامة. وإذا كان تناول المسائل السياسية الجارية مما يهواه الأئمةهو أمرٌ واقع الآن، فالأفضل أن يتم تأهيلهم بشكل صحيح لكى يحيطوا بجميع جوانب المسائل التى يتصدون لها. ولنا فيما حدث فى مؤامرة السابع من أكتوبر خيرُ مثلٍ.

لهذه الأسباب تصبح الحالة المصرية حالة متفردة، وتصبح أهمية تأهيل الأئمة تأهيلا صحيحا حقا أصيلا للدولة، ويصبح أيضا تحديد آلية تنفيذ هذا الحق حقا أصيلا آخر لتلك الدولة.

وعن كيفية تنفيذ الدولة لهذا (الحق الواجب)، فإن النقطة الأهم التى يحاول تجاهلها كل من يهاجم ما حدث، هو أن القيادة السياسية المصرية لم تقم بعد توليها الحكم عام 2014م مباشرة بتقديم مبادرة تأهيل الأئمة فى الأكاديمية العسكرية. لكن الذى حدث أن تلك القيادة ناشدت قيادات المؤسسات الدينية منذ عام 2015م للقيام بضبط الخطاب الدينى فى مصر والقيام بخطوات تأهيلية على الأرض لذلك. والذى حدث أن بعض تلك القيادات قد استجابت بالفعل مثل د.مختار جمعة وزير الأوقاف السابق لكن قيادات أخرى تململت وألمحت أحيانا وصرحت أحيانا أخرى بعدم رغبتها فى أى تغيير يمس مضمون الخطاب الدينى. وهذه القيادات التى أعلنت موقفها هذا هى التى تقع تحت ولايتها معظم مسؤلية اختيار المناهج التى يقوم بدراستها من سيصبحون أئمة مصر لاحقا. الدورة الحالية هى الدورة الثالثة فقط بعد أكثر من اثنى عشر عاما من إطلاق القيادة السياسية مناشدتها الأولى لقيادات المؤسسات الدينية، بما يعنى أنها الدولة المصرية - قد منحت الفرصة كاملة لتلك القيادات للقيام بما تقوم به حاليا الأكاديمية العسكرية، ولم يثمر الانتظار طوال هذه السنوات عن نتيجة ملموسة قوية ترتفع لمستوى طموحات القيادة المصرية لمصر.

(3)

فيما نشره (الموقف المصرى) نستمر فى قراءة الخداع، وخلط الأمور بين ثنايا الفقرات، ويستميت كُتّاب هذه المنصة فى محاولة تصوير المشهد بأنه مشهد عسكريين ومدنيين، ونظرة القادة العسكريين للمدنيين فنقرأ نص الآتى..(الرئيس بيتكلم عن البرامج اللى بتقدمها الأكاديمية العسكرية باعتبارها وسيلة لبناء القدرات وتعليم الكوادر الانضباط لاعتقاده أن المؤسسة العسكرية هى المؤسسة الوحيدة اللى شغالة فى البلد..ودورها أنها تنقل قيمة الانضباط لبقية المؤسسات..القناعة دى تبلورت لدى النخبة العسكرية فى فترة حكم المجلس العسكرى اللى الرئيس كان أصغر عضو فيه عام 2011م بعد الثورة ما كشفت مستويات هائلة من الفساد والتراخى والتحلل فى الكثير من الوزارات المدنية..فى الوقت دا ظهرت دعاية من بعض داعمى المجلس العسكرى بأن وزارة الدفاع هى المؤسسة الوحيدة اللى حافظت على مستويات عالية من الإنضباط..بطبيعة الحال الدعاية دى أحيت وحفزت قناعة موروثة من الخمسينات لدى القيادات العسكرية وقتها ومنهم الرئيس بأن المدنيين بيفتقروا للانضباط والكفاءة وبالتالى غير مؤهلين للحكم ولا يمكن ائتمانهم على القرار السياسى فى البلد.)

هذا الطرح الفاسد يحتاج إلى تفكيك دقيق لأنه خلط بعض الحق بكثير من الباطل..نعم غالبية المصريين الآن وليس المؤسسة العسكرية لا يثقون فى أى مؤسسة قدر ثقتهم فى المؤسسة العسكرية. وهذا ليس بجديد على شخصية المصريين التاريخية، لكن يبدو أن (الموقف المصرى) وكتابه لا يعلمون شيئا عن شخصية المصريين. هذه الثقة المطلقة فى المؤسسة العسكرية لا يشذ عنها سوى فاسدى الهوية الوطنية من أعضاء أو مؤيدى الجماعات المتأسلمة. هذه الثقة عند غالبية المصريين فى مؤسستهم المصرية الأعرق تضاعفت وازدادت صلابة مع أحداث المنطقة ومصر منذ عام 2010م. وقبل هذا التاريخ بسنوات، كان كثيرٌ من خريجى الطب والهندسة وغيرها من كليات جامعات مصر يحلمون بالانتماء إلى هذه المؤسسة فيتقدم الآلاف كل عام للالتحاق بالكليات العسكرية المتخصصة. ولم تقتصر هذه الثقة على المصريين، بل كان وما يزال يحلم بهذا الالتحاق كثيرٌ من خريجى نفس الكليات من دول أخرى عربية وغير عربية، بما يعنى وبعيدا كل البعد عن مجرد الانتماء الوطنى للطلاب المصريين أن المستوى العلمى الذى تقدمه الأكاديمية العسكرية المصرية العريقة أصبح بالفعل مدعاة لفخر المصريين.

إذا كان هذا هو الحال ومنذ سنواتٍ قبل أحداث يناير، فلماذا هذه الموجة الهستيرية من الهجوم حين تعلق الأمر بالأئمة؟ ولماذا لم يتم اعتبارهم مثل خريجى الكليات العسكرية المتخصصة من خريجى الطب والهندسة والعلوم واللغات وغيرها؟ الإجابة ببساطة لأن هذه الخطوة تعنى اقتحاما مباشرا وجريئا لوكر الدبابير! هذه هى الخلاصة. اعتمدت كل الجماعات المارقة فى العقود الماضية على الأئمة فى خلق ظهير شعبى مساند لها، أو على أقل تقدير معادٍ للدولة المصرية الوطنية. فحين تقرر هذه الدولة أن تمنح هؤلاء الأئمة هذه الفرصة الذهبية من تحصيل العلوم وآليات البحث العلمى الموضوعى وسبل التفكير المنطقى، ومع كل ذلك تمنحهم بعض التثقيف السياسى، فهذا يعنى أن الدولة تصوب وضعا خاطئا تم امتطاؤه لسنوات طويلة ودفعت مصر ثمنا باهظا له. وهذا يعنى أن تفقد هذه الجماعات سلاحها الشعبى الأهم فى المساجد وفى القرى والنجوع.

ما يحاول (الموقف المصرى) وفى الحقيقة اختيار هذا الوصف لموقفهم من القضايا المصرية هو أكبر الأكاذيب - تصديره فيما نشره هو طريقة معروفة للتضليل. أن تحاول تشتيت عقول الناس بعيدا عن القضية الأساسية. فالتحاق خريجى جامعات مصرية وغير مصرية بالأكاديميات العسكرية شىء طبيعى وعادى وموجود فى مصر منذ عقود، ولم يخرج علينا أحدٌ قبل اليوم ليقول بأن هذا هو نظرة دونية للمدنيين، بل على العكس فكل عام تركض الأسر المصرية فى محاولات لقبول ابنهم أو ابنتهم. وامتداد هذا إلى خريجى الكليات الدينية هى خطوة على الطريق الصحيح تأخرت كثيرا. وكل ما هنالك أنها ضربة موجعة لتيارات التطرف والإرهاب وكل من دأب على استخدام هؤلاء بقصدٍ منهم أو بغير قصد. وهى خطوة صحيحة فى طريق حماية العقول المصرية مما كان يحدث فى العقود السابقة.

(4)

وبخصوص الفساد الذى ورثته مصر فى مختلف المؤسسات الحكومية، فهو حقيقة يعلمها كل المصريين. وما قامت به القيادة المصرية هو محاولة ضبط تقوم على الرقمنة وإعداد كوادر شابة فى أكاديميات أخرى بعيدة عن الأكاديمية العسكرية مثل الأكاديمية الوطنية للتدريب الذى تخرج منها بالفعل من يقومون الآن بشغل وظائف الصف الثانى من إدارات الحكم المحلى. لم تحاول القيادة المصرية كما يوحى موقع الموقف المصرى أن تستغل هذه الحالة من الفساد لهيمنة المؤسسة العسكرية على إدارات الحكم المحلى. ما حدث فى دولة كبيرة مثل مصر هو المنطقى تماما، من الصعب أن تحمل مؤسسة بعينها على عاتقها مسؤلية الدولة بأكملها. لكن القيادة المصرية تعمل على فكرة تكامل جميع المؤسسات بمنطق (كل مؤسسة تعمل كل اللى تقدر تعمله) فى إطار خطة شاملة للتحديث والتطوير ومناهضة الفساد الإدارى. هناك أكاديميات مدنية تدشنت بقرار خالص من الرئاسة قامت وتقوم بأدوار مشابهة لما تقوم به المؤسسة العسكرية. كل هذه المؤسسات عسكرية وغير عسكرية هى من مقدرات وثروة مصر التى تتشارك ولا تتنافس أو تتصارع - لبناء دولة.

أما فيما يخص فكرة (التدريب التعيين) التى أشار إليها كاتب هذا الهراء ومحاولته أن يربط هذا بفكرة هيمنة المؤسسة العسكرية على الوظائف، فأولا يدحض هذا الزعم تماما آليات الاختيار بين الخريجين والتى يتقلص فيها العنصر البشرى إلى حده الأدنى وسيكون كما أعلن الرئيس آليا تماما قريبا جدا. وهذا يعنى أنها فكرة وضع معايير وليس فرض هيمنة مؤسسة بعينها. فى أى مؤسسة قطاع خاص يكون هناك (إتش آر) يقوم بالاختيار بناءً على معايير وضعتها المؤسسة أو المنشأة تضمن لها اختيار أفضل العناصر من أجل صالحها المباشر. ألم نكن ننتقد لسنوات طويلة عدم أهلية كثير من موظفى القطاع العام، أو خروج بعض من يتولون العملية التعليمية عن النص؟ فإصلاح ذلك بوضع معايير للاختيار تضمن أن يصل لكل وظيفة الأجدر والأفضل هو ما كان يطمح إليه المصريون لسنوات طويلة. ما الضير من استبعاد من يتعاطى المخدرات مثلا من العمل العام؟ أو.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الدستور المصرية

منذ 9 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 9 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 15 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 11 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 7 ساعات