من النادر أن تثير خريطة للعالم نقاشاً سياسياً داخل أروقة الأمم المتحدة، لكن هذا ما يحدث، اليوم، مع تصاعد المطالب الإفريقية بإعادة النظر في «إسقاط مركاتور» الذي شكّل صورة العالم في الوعي العالمي لعقود، فالقضية لم تعُد تتعلق بطريقة رسم القارات على الورق، بل بسؤال أعمق يرتبط بمن يملك حق تمثيل العالم، وكيف تتشكل صور القوة والمكانة في الوعي الجمعي للشعوب،
فالخرائط، شأنها شأن كثير من الأدوات المعرفية، ليست مجرّد وسائل تقنية محايدة، بل تعكس رؤى تاريخية وموازين قوة سادت في حقب، ومن هنا تنظر أصوات إفريقية متزايدة إلى الجدل حول مركاتور بوصفه جزءاً من نقاش أوسع حول العدالة المعرفية، وإعادة النظر في الصور الذهنية التي أسهمت في تشكيلها مؤسسات التعليم، والإعلام، والتمثيل الجغرافي، عبر قرون، وفي هذا السياق، لا تبدو الدعوة إلى تصحيح الخريطة مجرّد مسألة فنية، بل محاولة لإعادة قراءة الموقع لإفريقيا في عالم يشهد تحولات، في مراكز النفوذ والتأثير.
صُمم إسقاط مركاتور في القرن السادس عشر لخدمة الملاحة البحرية، وقد أدى هذا الغرض بكفاءة، من خلال المحافظة على الاتجاهات والزوايا، الأمر الذي ساعد البحارة في رحلاتهم عبر المحيطات، غير أن المشكلة لم تكن في الوظيفة الأصلية لهذا الإسقاط، بل في تحوله إلى الصورة الأكثر انتشاراً للعالم في المناهج التعليمية، ووسائل الإعلام، والخرائط.
فبحكم خصائصه الرياضية، يؤدي إسقاط مركاتور إلى تضخيم مساحات المناطق القريبة من القطبين، وتقليص المساحات الواقعة بالقرب من خط الاستواء، ونتيجة لذلك، تبدو إفريقيا أصغر من حجمها مقارنة ببعض المناطق الشمالية، فعلى الرغم من أن مساحة إفريقيا تتجاوز أربعة عشر ضعف مساحة غرينلاند، فإن الخريطة التقليدية تجعل الفارق بينهما يبدو أقل مما هو عليه في الواقع.
وقد لا يتوقف أثر هذا التشويه البصري عند حدود الشكل الجغرافي، بل يمكن أن يسهم، مع مرور الزمن، في تشكيل تصورات عامة عن المكانة، والنفوذ، والأهمية، فالصورة التي تتكرر في الكتب المدرسية والوسائط الإعلامية لا تنقل المعلومات فقط، بل تساعد في بناء التصورات الذهنية لدى الأجيال حول العالم، وترتيب مراكزه وأطرافه،
ومن هذا المنطلق، اكتسبت حملة «صحّحوا الخريطة» زخماً، داخل إفريقيا وخارجها، وقد حظيت الحملة بدعم الاتحاد الإفريقي الذي كلف توغو بالعمل على الدفع نحو تبنّي خريطة أكثر دقة في تمثيل أحجام القارات، من خلال طرح مشروع قرار أمام.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الخليج الإماراتية
