مقالات الشروق|زينب طه. : هل الازدواجية اللغوية تعكس شيزوفرينية الشخصية العربية؟. بالطبع لا، لإن الازدواجية اللغوية ليست ظاهرة سيكولوجية، بل لغوية تجمع عددا من اللغات بينها العربية. فالمتحدث بلغة تتصف بالازدواجية هو ببساطة شخص قادر على استخدام أطياف مختلفة من لغته لتناسب الموقف الذى يتحدث فيه. وقد قيل قديما «لكل مقام مقال». وعلى هذا، فإن الشخص الذى يستطيع تطويع لغته لتناسب الموقف، هو فى الحقيقة شخص محظوظ لأن لغته غنية، تتيح له استخدامها بأشكال متباينة على حسب الرغبة. هذا المصطلح واسع الاستخدام فى علم اللغويات الاجتماعية ويشير إلى مجتمعات قليلة يتعلمها متكلموها فى المدارس ويستخدمونها فى نواحى الحياة الرسمية وفى الأبحاث الأكاديمية والخطب وما إلى ذلك، فى حين أنهم يتكلمون لغة أخرى فى حياتهم اليومية وفى أمور غير رسمية.. المقال كاملا

بالطبع لا، لإن الازدواجية اللغوية ليست ظاهرة سيكولوجية، بل لغوية تجمع عددا من اللغات بينها العربية. فالمتحدث بلغة تتصف بالازدواجية هو ببساطة شخص قادر على استخدام أطياف مختلفة من لغته لتناسب الموقف الذى يتحدث فيه. وقد قيل قديما «لكل مقام مقال». وعلى هذا، فإن الشخص الذى يستطيع تطويع لغته لتناسب الموقف، هو فى الحقيقة شخص محظوظ لأن لغته غنية، تتيح له استخدامها بأشكال متباينة على حسب الرغبة. هذا المصطلح واسع الاستخدام فى علم اللغويات الاجتماعية ويشير إلى مجتمعات قليلة يتعلمها متكلموها فى المدارس ويستخدمونها فى نواحى الحياة الرسمية وفى الأبحاث الأكاديمية والخطب وما إلى ذلك، فى حين أنهم يتكلمون لغة أخرى فى حياتهم اليومية وفى أمور غير رسمية. تشترك اللغتان الرسمية والحياتية فى صفات لغوية عديدة من مفردات وقواعد نحوية ونطق. وقد قدم العالم اللغوى فرجسون هذا الوصف عن ازدواجية اللغة عام ١٩٥٩ وذكر اللغة العربية كمثال على هذه الظاهرة. استمر البحث فى ازدواجية اللغة Diglossia ونقح الكثيرون وصفها حتى توصل العالم المصرى السعيد بدوى فى منتصف السبعينيات إلى وصف خمسة مستويات للعربية فى مصر تتدرج من عربية التراث الممثلة فى الشعر العربى القديم ولغة القرآن الكريم وتنتهى بمستوى أسماه عامية الأميين، وجعل التعليم أساس التقسيم فى هذه المستويات وبالتالى كلما كبر قدر التعليم، استطاع المتحدث استخدام مستويات اللغة العليا.

اللغة اليونانية مثال آخر للازدواجية. عاشت اليونانية القديمة لغة الدين والأدب والرسميات فى حين أن اليونانية الشعبية عاشت لغة الحديث والتعامل اليومى. وفى حين ركز اليونانيون على تطوير اللغة الشعبية وتقليص دور اليونانية الرسمية فى حدود الصلاة فقط، ظلت العربية، لغة القرآن، قوية الوجود فى مجالات مختلفة وظلت هى لغة التعليم فى معظم المدارس والجامعات العربية.



تاريخ اللغة العربية بفصحاها وعامياتها طويل، فقد عاشت العربية فى الجزيرة العربية قبل الإسلام لغة حديث وتعامل يومى وأدب وبلاغة. فكما كان هناك فصحاء قادرون على قرض الشعر فى صوره البلاغية الفريدة، كان هناك حديث لا ينقطع بين الناس وبين أفراد الأسرة الواحدة. فكان العرب يحلمون بلغتهم هذه، ويضحكون بها، ويحزنون بها. عاشت العربية قرونا طويلة متصالحة مع تباينها واختلاف نطقها ومفرداتها من مكان إلى مكان ومن قبيلة إلى أخرى. وحين نزل القرآن، بالطبع أصبحت هناك لغة (أو بالأحرى لهجة) لها مستوى من التقبل الاجتماعى أعلى بكثير من لهجات أخرى، وبالطبع عظّم القرآن شأن اللغة العربية وأصبح المثل للأسلوب الأعلى فى سلم مستويات العربية.

هذه اللغة العظيمة استطاعت أن تظل حية ومنتجة ومتطورة قرونا طويلة، وظهرت فيها ملامح جديدة وسمات خاصة، جعلتها قادرة على مواكبة العصر ومتطلباته، فأصبحت العربية الفصحى المعاصرة هى لغة الاستخدام الرسمى والتعليم، وهى كذلك لغة الأدب الحديث، ووسائل الإعلام فى جميع الدول العربية. ولأنها انتشرت فى دول عربية تباينت خلفياتها الثقافية والتاريخية، نجد أنها تتباين لتعكس هذه المجتمعات، ولكنها تظل قادرة أن تكون القاسم المشترك الذى يعتمد عليه العرب فى التواصل بينهم، على الأقل على المستوى الرسمى أو الأكاديمى.

وعبر التاريخ، نجد أن المجتمعات العربية تراوحت فى اهتمامها بتعليم العربية الفصحى ولكن ظاهرة الازدواجية استمرت. ففى الوقت الذى ظهر فيه العقاد وطه حسين ونجيب محفوظ فى مصر، ونزار قبانى وجبران خليل جبران من لبنان، وأبى قاسم الشابى وكوليت خورى من الشام، ونازك الملائكة وبدر السياب من العراق، وعبدالله زريقة وجميلة أبيطار من المغرب، ومحمود درويش من فلسطين، ظل هناك جمهور غفير يصل أحيانا إلى السواد الأعظم من العرب غير قادرين على قراءة أعمال هؤلاء الكتاب عانت الأعداد الغفيرة من سوء التعليم. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل عدم إتقان الفصحى يرجع إلى وجود الازدواجية أم هو نتيجة حتمية لسوء تعليم اللغة الفصحى؟

يحضرنى هنا ما ذكرته باحثة أوروبية فى مقال لها بعنوان «اللغة الأم ولغة الأم» حين قالت إن العربية الفصحى تبقى فى وجدان جميع العرب اللغة الأم، وإن كان واقع الأمر يظهر أن لغة الأم لكل هؤلاء العرب هى فى الحقيقة ليست اللغة العربية الفصحى. هذه الملاحظة التى جاءت من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جريدة الشروق

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة الشروق

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ 9 ساعات
منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 6 ساعات
موقع صدى البلد منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ 17 ساعة
موقع صدى البلد منذ 13 ساعة
صحيفة الفجر منذ ساعتين
موقع صدى البلد منذ 10 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 3 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 14 ساعة