مقال د.عبدالله سرور الزعبي. الأردنيون والحلم الذي لا يموت

في كل أمة لحظاتٌ تكشف روحها الحقيقية؛ لحظات لا تُقاس بما يجري فيها فحسب، بل بما تُجلّيه من أحلام راسخة في وجدان الناس. حين خرج الأردنيون إلى الشوارع يحتفلون بتأهل منتخبهم إلى كأس العالم، لم يكن الأمر احتفالاً رياضياً عابراً، ولم يكن الفرح محصوراً في نتيجة مباراة، بل كان أشبه باستفتاء شعبي على حاجة مجتمع بأكمله إلى قصة نجاح. فخلف صور الملك وولي العهد، والأعلام التي ارتفعت في السماء، والهتافات التي ملأت المدن والقرى والمخيمات والبوادي، كان ثمة معنى آخر يتشكّل بصمت، الأردنيون متعطشون للنجاح، متعطشون لرؤية الحلم يتحوّل إلى حقيقة، والجهد إلى إنجاز، والانتظار الطويل إلى نتيجة ملموسة.

لقد أثبت المنتخب أن الإرادة قادرة على صناعة المعجزات الوطنية قبل الرياضية. فالفريق لم يشقّ طريقه نحو المونديال عبر منافسة فرق هامشية، بل واجه منتخبات تمتلك تاريخاً عريقاً وخبرات متراكمة وإمكانات هائلة. ومع ذلك انتصر الإيمان على الفوارق، وانتصرت الروح على الحسابات التقليدية، وقدّم المنتخب درساً وطنياً بليغاً، النجاح ليس حكراً على الأقوياء، بل على من يعرفون كيف يحوّلون التحديات إلى فرص. وهنا تكمن القصة الأردنية بأكملها.

منذ تأسيس الدولة الحديثة، لم يكن الأردن غنياً بالموارد الطبيعية قياساً بجيرانه، لكنه كان غنياً بإنسانه. نجح الأردنيون عبر عقود في بناء مؤسساتهم وحماية دولتهم وسط واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً؛ عاشوا الحروب من حولهم، واستقبلوا موجات اللجوء المتعاقبة، وتعاملوا مع أزمات اقتصادية متكررة، غير أنهم حافظوا على تماسك دولتهم والتفافهم حول قيادتهم الهاشمية. وقد تشكّل لديهم وعي جمعي يعدّ الاستقرار إنجازاً بحد ذاته، بيد أنه لا يكتفي به، بل يتطلع دوماً إلى التنمية وصناعة المستقبل.

ومن هنا جاءت حالة البحث المستمرة عن قصص النجاح. فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، تابع الأردنيون أخبار الاستكشافات النفطية والغاز والمعادن وكأنهم يتابعون فصول رواية وطنية طويلة؛ تمسّكوا بأخبار النفط، ثم بمشاريع الصخر الزيتي، ثم باليورانيوم، واليوم يترقّبون استخراج النحاس والذهب والغاز الطبيعي والاقتصاد الرقمي والممرات اللوجستية الجديدة. وفي كل مرة كان السؤال الحقيقي واحداً: متى تأتي القصة التي تثبت أن المستقبل أفضل من الحاضر؟

لكن بين الأمل والواقع تراكمت خيبات كثيرة. فالمواطن الذي اعتاد سماع الوعود عاماً بعد عام دون أن يرى نتائج تتناسب معها، يبدأ تدريجياً بفقدان ثقته بالكلام مهما كان جميلاً. وقد لخّص أحد المسؤولين السابقين هذه العقلية صراحةً بقوله: «الناس تحب الكذب المرتب وتكره الصدق المبعثر، فصفط كذبك قبل صدقك». غير أن التجربة الأردنية تكشف حقيقة مغايرة، الناس لا تحب الكذب مهما أُحكم تنظيمه، لكنها تتقبّل الصدق حين يقترن بالوضوح والمصارحة.

ولعل جوهر الأزمة في كثير من الأحيان لا يكمن في قلة الإمكانات، بل في غياب الحقيقة الكاملة، وكما قال الكاتب بيرتي: «إذا سُلبت منا الحقيقة، سُلبت منا معرفة الصواب من الخطأ.» فالمجتمعات لا تبني ثقتها على الوعود وحدها، بل على الصراحة والقدرة على مصارحة الناس بالنجاحات والإخفاقات معاً.

لقد أصبح المواطن أكثر قدرةً على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والإنجاز الإعلامي، وبين المشروع الوطني والمشروع الدعائي. وتزداد المسألة حساسيةً حين ترى الكفاءات الوطنية أن بعض الأبواب لا تزال تُفتح بفعل العلاقات لا بفعل الجدارة، وأن شبكات الإقصاء تُنسج أحياناً حول أصحاب الكفاءات لتهميشهم كما ينسج العنكبوت خيوطه. وليس ثمة ما يُرهق المجتمعات أكثر من الشعور بأن الجدارة ليست هي الطريق إلى النجاح.

ولعل أبرز التحولات في الوعي الأردني أن الناس لم يعودوا يبحثون عن «البطل الفرد»، بل باتوا يبحثون عن «المؤسسة الناجحة» القادرة على إنتاج النجاح باستمرار. والتجارب العالمية خير شاهد؛ فسنغافورة لم تتحوّل إلى مركز اقتصادي عالمي بفضل أفراد موهوبين فحسب، بل بفضل منظومة مؤسسية جعلت الكفاءة معياراً لا استثناءً. وكوريا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 6 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
جو ٢٤ منذ 12 ساعة
صحيفة الرأي الأردنية منذ 13 ساعة
قناة المملكة منذ 11 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
قناة المملكة منذ 7 ساعات
قناة رؤيا منذ 10 ساعات
خبرني منذ 11 ساعة
قناة رؤيا منذ 16 ساعة