في تاريخ إيران الحديث، يصعب أن تجد شخصية أثارت من الجدل بقدر ما أثاره الدكتور محمد مصدّق. هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بتأميم النفط والانقلاب الذي أطاح حكومته سنة 1953، لم يعد مجرد رئيس وزراء خسر معركة سياسية، بل تحول إلى واحدة من الشخصيات المؤسسة للوعي الإيراني المعاصر.
ولعل أهمية مصدّق لا تكمن في ما فعله فقط، بل في ما أصبح يمثله بعد ذلك. فقد بقي حضوره حياً في الذاكرة الإيرانية بوصفه رمزاً للاستقلال الوطني والدستورية والسيادة الشعبية، حتى بعد أن غادر السلطة بسنوات طويلة.
وُلد محمد مصدّق سنة 1882 في طهران، في واحدة من أكثر العائلات نفوذاً في إيران القاجارية. كان والده ميرزا هدايت الله آشتیاني، المعروف بلقب وزير الدفتر ، من كبار رجال الإدارة والمالية في الدولة القاجارية، بينما كانت والدته نجم السلطنة أميرة تنتمي إلى الأسرة الحاكمة نفسها.
وهكذا نشأ مصدّق في بيئة جمعت بين النفوذ السياسي والتقاليد البيروقراطية العريقة، الأمر الذي سهّل دخوله المبكر إلى عالم الإدارة والسياسة، قبل أن يضيف إلى ذلك تكويناً قانونياً حديثاً عبر دراسته في أوروبا.
لكن، ما جعل شخصيته مختلفة لم يكن النسب وحده، بل الجمع بين إرث الأرستقراطي القديم والتكوين القانوني الحديث.
إذ درس القانون في سويسرا وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة لوزان، وعاد إلى إيران حاملاً معه لغة الدولة الحديثة؛ لغة الدستور والمؤسسات والقانون.
ومنذ بداياته السياسية بدا مصدق أقرب إلى رجل الدولة منه إلى رجل الحركة. تولى عدداً من المناصب الرفيعة، من بينها حاكم إقليم فارس ووزير المالية ووزير الخارجية وعضوية البرلمان، واكتسب سمعة السياسي الذي يجمع بين الثقافة القانونية والخبرة الإدارية.
وحين صعد رضا خان إلى العرش سنة 1925، مؤسساً الأسرة البهلوية، وقف مصدّق في صف المعارضين.
ولم يكن اعتراضه مجرد خلاف سياسي عابر، بل تعبيراً عن رؤية مختلفة للدولة والشرعية؛ فمن جهة كان ابن العالم القاجاري الذي أُزيح عن الحكم، ومن جهة أخرى كان رجل القانون الذي لم يكن مرتاحاً لتحوّل القوة العسكرية إلى مصدر للملكية والسلطة.
ولهذا، بدت معارضته لتتويج رضا خان، في جوهرها، اعتراضاً على الطريقة التي تُبنى بها الشرعية السياسية.
ومع انتصار المشروع البهلوي، انسحب مصدّق من الحياة العامة سنوات طويلة، قبل أن يعود إلى المشهد السياسي بعد سقوط رضا شاه سنة 1941 في أعقاب الاحتلال البريطاني السوفيتي لإيران أثناء الحرب العالمية الثانية.
عاد مصدق في وقت كانت إيران تبحث فيه عن رجال دولة قادرين على التعامل مع مرحلة مضطربة ومعقدة. لم يكن مصدّق ثورياً يخيف الطبقات التقليدية، ولا رجل بلاط امتثالياً، بل شخصية جمعت بين الحسّ الوطني والخبرة المؤسسية. واستطاع أن يفرض نفسه تدريجياً واحداً من أبرز الأصوات السياسية في البلاد.
ومن هنا، بدأ صعوده الحقيقي؛ فقد برز في مواجهة الامتيازات الأجنبية، ثم تحول إلى الرمز الأبرز لمطلب تأميم النفط الإيراني. وحين أُقرّ قانون التأميم سنة 1951، وتولى رئاسة الوزراء، بلغ ذروة حضوره السياسي والشعبي.
لكن النفط لم يكن القضية الوحيدة التي يمثلها مصدّق.
ولئن كان رضا شاه أعاد بناء الدولة الإيرانية الحديثة وأقام مؤسساتها المركزية؛ فإن مصدّق أعاد إحياء فكرة الأمة الإيرانية بوصفها صاحبة الحق في السيادة على مواردها وقرارها السياسي. ولهذا ارتبط اسمه بالنفط، لكن رمزيته تجاوزت النفط نفسه لتصبح مرتبطة بمعنى الاستقلال الوطني والكرامة السياسية.
وهنا بدأ الصدام الكبير؛ فالصراع بين مصدّق والشاه كان صراعاً بين تصوّرين مختلفين للشرعية. الدولة البهلوية كانت ترى نفسها وريثة مشروع بناء الدولة الحديثة، بينما رأى مصدّق أن الأمة ومؤسساتها الدستورية يجب أن تكون المصدر النهائي للسلطة السياسية.
تجاوزت الأزمة حدود النفط لتتحول إلى سؤال أكبر؛ من يحكم إيران؟ الدولة أم الأمة؟
وعندما وقع الانقلاب سنة 1953، بدعم أميركي وبريطاني وعاد الشاه إلى الحكم، بدا وكأن مصدّق خسر المعركة نهائياً.
بعد الانقلاب أُلقي القبض على مصدّق، وخضع للمحاكمة أمام محكمة عسكرية، ثم حُكم عليه بالسجن. وبعد انتهاء فترة سجنه فُرضت عليه الإقامة الجبرية في قريته أحمد آباد ،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
