تتجه أنظار المستثمرين إلى سلسلة من البيانات الاقتصادية الأمريكية المهمة المقرر صدورها، اليوم الخميس، في وقت يواصل فيه الذهب تداوله تحت ضغوط قوية بعد أن كسر مستوى 4000 دولار للأوقية للمرة الأولى منذ نوفمبر 2025، وسط تصاعد الرهانات على استمرار تشديد السياسة النقدية الأمريكية.
وتشمل البيانات المنتظرة القراءة النهائية للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي للربع الأول، والتي تشير التوقعات إلى نمو سنوي بنسبة 0.5%، إلى جانب بيانات طلبات إعانة البطالة الأسبوعية المتوقع أن ترتفع بشكل طفيف إلى 226 ألف طلب مقابل 225 ألفًا في القراءة السابقة.
كما يترقب المستثمرون صدور مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي لشهر مايو، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، وسط توقعات بتباطؤه إلى 3.8% على أساس سنوي مقارنة مع 4.1% في القراءة السابقة.
وتكتسب هذه البيانات أهمية استثنائية، إذ من المتوقع أن تعيد رسم توقعات الأسواق بشأن مسار أسعار الفائدة الأمريكية خلال ما تبقى من العام، وهو العامل الأكثر تأثيرًا في تحركات الذهب خلال الفترة الحالية.
الدولار والفائدة يواصلان الضغط على الذهب
يتداول الذهب اليوم في بيئة تهيمن عليها قوة الدولار الأمريكي، الذي يحافظ على تداولاته بالقرب من أعلى مستوياته في 13 شهرًا، مدعومًا بتزايد قناعة المستثمرين بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يواصل تشديد السياسة النقدية لمواجهة الضغوط التضخمية.
وبحلول الساعة 10:40 صباحًا بتوقيت الرياض، انخفض الذهب الفوري بنسبة 0.5% إلى 3980.88 دولارًا للأوقية، بينما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم أغسطس بنسبة 0.3% إلى 3996.50 دولارًا.
وكان المعدن النفيس قد فقد مستوى 4000 دولار خلال جلسة الأربعاء لأول مرة منذ أكثر من 7 أشهر، ليصبح منخفضًا بنحو 29% مقارنة بأعلى مستوى تاريخي سجله عند 5594.82 دولارًا للأوقية في 29 يناير الماضي.
وقال مات سيمبسون، كبير المحللين لدى ستون إكس، إن الذهب يتحرك حاليًا داخل موجة هبوط واضحة في ظل البيئة الحالية التي تتسم بقوة الدولار الأمريكي واستمرار الضغوط على المعدن النفيس.
لماذا ستكون بيانات اليوم حاسمة؟
تمثل بيانات الناتج المحلي الإجمالي مؤشرًا مهمًا على مدى قوة الاقتصاد الأمريكي، إذ إن أي قراءة أعلى من التوقعات ستعزز الاعتقاد بأن الاقتصاد لا يزال قادرًا على تحمل أسعار فائدة مرتفعة، وهو ما يدعم الدولار ويضغط على الذهب.
وفي المقابل، تعطي بيانات طلبات إعانة البطالة صورة مباشرة عن أوضاع سوق العمل، حيث إن استمرار انخفاض الطلبات يشير إلى قوة سوق التوظيف، بما يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة.
لكن الحدث الأبرز يبقى صدور مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، والذي يعتمد عليه الاحتياطي الفيدرالي بشكل رئيسي في تقييم مسار التضخم.
فإذا جاءت القراءة أعلى من المتوقع، فقد ترتفع رهانات الأسواق على تنفيذ المزيد من زيادات أسعار الفائدة خلال العام الجاري، وهو ما قد يواصل الضغط على الذهب ويدفعه إلى مستويات أدنى.
أما إذا جاءت بيانات التضخم أضعف من التوقعات، فقد تتراجع قوة الدولار وتنخفض عوائد السندات الأمريكية، وهو ما قد يمنح الذهب فرصة لالتقاط الأنفاس بعد موجة الهبوط الأخيرة.
الأسواق تراهن على استمرار التشديد النقدي
لا تزال الأسواق تسعر تنفيذ 3 زيادات في أسعار الفائدة الأمريكية خلال العام الحالي، مع وجود احتمال يقارب 67% لرفع الفائدة خلال اجتماع سبتمبر المقبل، وفقًا لبيانات أداة فيدووتش التابعة لمجموعة سي إم إي.
وتؤدي هذه التوقعات إلى تقليص جاذبية الذهب، باعتباره أصلًا لا يدر عائدًا، في الوقت الذي يفضل فيه المستثمرون السندات والأدوات المالية التي تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة.
كما يحذر محللون من أن استمرار هذه التوقعات قد يؤدي إلى موجة جديدة من التخارج من صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب، ما قد يزيد الضغوط البيعية على المعدن الأصفر.
وفي الوقت نفسه، يواصل المستثمرون مراقبة التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، إلا أن تأثيرها على الذهب تراجع خلال الأيام الأخيرة أمام هيمنة توقعات السياسة النقدية الأمريكية على حركة الأسواق.
الصورة الفنية لا تزال تميل بقوة إلى الهبوط
من الناحية الفنية، تشير قراءة الرسم البياني اليومي للذهب عبر منصة WarrenAI من InvestingPro إلى أن الاتجاه الهابط لا يزال هو المسيطر، بعد كسر مستوى الدعم المحوري قرب 4200 دولار واستكمال نموذج هابط بنسبة 100%.
ويتحرك السعر أسفل سحابة إيشيموكو وخطي تينكان وكيدجون، في إشارة إلى أن الهبوط الحالي يتمتع بزخم قوي ومنظم، وليس مجرد حركة تصحيحية مؤقتة.
كما يستمر مؤشر سوبر ترند في إصدار إشارة بيع عند 4345 دولارًا، بينما يسجل مؤشر ADX نحو 37.6 نقطة مع تفوق واضح للمؤشر السلبي، وهو ما يعكس قوة الاتجاه الهابط.
ويزيد ابتعاد السعر بنحو 7.4% عن المتوسط المتحرك لـ20 يومًا من احتمالات استمرار التراجع، لكنه في الوقت نفسه يرفع فرص حدوث ارتداد تصحيحي قصير نتيجة اتساع الفجوة عن المتوسطات.
هل يقترب الذهب من ارتداد فني؟
رغم هيمنة الاتجاه الهابط، بدأت بعض المؤشرات الفنية في إظهار علامات تشبع بيعي قد تمهد لارتداد محدود
فقد هبط مؤشر القوة النسبية RSI إلى نحو 25.7 نقطة، وهو مستوى غالبًا ما يسبق ارتدادات تصحيحية قصيرة.
كما يلامس السعر الحد السفلي لمؤشر بولينجر باند بين 3952 و3988 دولارًا، بينما يقع المتوسط المتحرك لـ20 يومًا قرب 4305 دولارات، ما يعزز احتمالات عودة السعر مؤقتًا نحو المتوسط.
إضافة إلى ذلك، تشكلت شمعة Spinning Top قرب مستوى 3988 دولارًا، وهي تعكس حالة من التردد بين المشترين والبائعين، لكنها تحتاج إلى تأكيد عبر ظهور شمعة انعكاسية صاعدة حتى تكتسب مصداقية أكبر.
ومع ذلك، يرى المحللون أن أي ارتداد خلال المرحلة الحالية سيظل في إطار التصحيح طالما بقي الذهب دون منطقة المقاومة الممتدة بين 4170 و4220 دولارًا.
أهم المستويات التي يجب مراقبتها
يرى تحليل WarrenAI أن كسر مستوى 3960 دولارًا والإغلاق اليومي دونه سيعزز احتمالات استمرار الهبوط نحو أول منطقة دعم رئيسية عند 3800 دولار، يليها مستوى 3720 دولار، الذي يمثل دعمًا تاريخيًا مهمًا وقاعًا سابقًا سُجل في أكتوبر 2025.
أما في حال حدوث ارتداد، فإن أول منطقة مقاومة مهمة تقع بين 4170 و4220 دولارًا، وهي منطقة يتوقع أن تستقطب موجة جديدة من عمليات البيع، نظرًا لتوافقها مع دعم مكسور ومستويات فنية قوية.
وفي المقابل، تبقى المنطقة الممتدة بين 3720 و3800 دولار الأكثر ترجيحًا لظهور مشترين على المدى القصير، لكنها تظل مناسبة لصفقات الارتداد السريعة فقط، طالما لم تتغير الصورة العامة للاتجاه الهابط.
وبذلك، يدخل الذهب جلسة اليوم في واحدة من أكثر مراحله حساسية خلال الأشهر الأخيرة، حيث قد تحدد البيانات الاقتصادية الأمريكية المنتظرة ما إذا كان المعدن النفيس سيواصل خسائره نحو مستويات جديدة، أم سيحصل على فرصة لالتقاط الأنفاس عبر ارتداد فني مؤقت قبل استئناف الاتجاه الرئيسي الهابط.
هذا المحتوى مقدم من موقع نمـازون الإقتصادي
