لم أكتب هذه الملاحظات في دفتر الرحلات، ولم أسجّلها في سجل الطائرة؛ فقد تقاعدت منذ زمن، وسلّمت مقعد القيادة إلى جيل آخر. لكن بعض الرحلات تبدأ بعد أن يتوقف الطيار عن الطيران، وبعض الصناديق السوداء لا تكون في ذيل الطائرة، بل في أعماق الذاكرة. وصلت إلى توركوي زائرًا ابني وحفيدي. كنت أظن أن الرحلة انتهت عند باب بيتهما، وأن ما تبقى منها عناق طويل يعوض غيابًا طال. لكنني اكتشفت أن عمّان كانت قد وصلت معي، وجلست بصمت في المقعد المقابل. في صباح اليوم الأول، خرجت أمشي. لم يكن في الشارع ما يلفت النظر، وربما كان هذا هو أكثر ما لفت نظري. لا شرطي عند التقاطع، ولا صراخ أبواق، ولا مركبة تتقدم على حق غيرها، ولا عابر طريق يختبر حظه بين السيارات. كان كل شيء يؤدي وظيفته بهدوء: الرصيف يحمل المشاة، والطريق يحمل المركبات، والإشارة تفصل بين الحركة والتوقف، والحاوية تحفظ ما ينبغي أن يُخفى عن وجه المدينة. شعرت كأنني أمام طائرة تحلق من دون اضطراب؛ لا لأن الطقس مثالي، بل لأن كل جزء فيها يعرف مهمته. عندها سمعت عمّان تسألني من داخلي: أأعجبتك المدينة الجديدة إلى هذا الحد؟ قلت لها: لم يعجبني جمالها بقدر ما آلمني انتظامها. سكتت قليلًا، ثم قالت: وهل تراني قبيحة؟ قلت: أنت أجمل مما تعرفين، لكن الجمال حين يُترك بلا رعاية يتحول إلى ذكرى. لم يكن حزني على حفرة في شارع، ولا على حاوية مفتوحة، ولا على سيارة صعدت فوق رصيف. كان حزني على المعنى الذي يجمع هذه الصور كلها: أن بعضنا لم يعد يرى المكان العام امتدادًا لبيته، بل أرضًا لا صاحب لها. نغضب إن وضع أحدهم النفايات أمام باب منزلنا، ثم قد نلقيها في شارع يمر أمام منازل الآخرين. نرفض أن يسد أحد مدخل بيتنا، ثم نوقف سياراتنا أمام أبواب غيرنا. نطالب باحترام حقوقنا كاملة، لكننا نتعامل مع حقوق الآخرين كأنها مسألة قابلة للتفاوض. هنا فهمت أن الفوضى لا تبدأ من.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
