د. عمر الخواجا
يرسم القاص الدكتور زياد أبو لبن في مجموعته القصصية الجديدة «رائحة الزينكو» صورة نابضة بالواقعية لبيوت الزينكو التي آوت اللاجئين في حياتهم المثقلة بالتشرد والمعاناة والحزن. ففي قصص المجموعة جميعها يتناول الكاتب أحوال من أجبرهم الاحتلال على ترك أراضيهم وبيوتهم واللجوء إلى المخيمات والخيام، حيث كتبوا بأجسادهم المنهكة وأوجاعهم الكبيرة سيرة اللجوء القاسية وتفاصيل المعاناة اليومية.
وقد نجح أبو لبن في تجسيد هذه التجربة بواقعية أدبية التقطت التفاصيل الدقيقة بعين ناقدة استطاعت تسجيل صورة الحدث والتعبير عن حالة التشرد بصدق كبير، غير أن هذه الواقعية لم تطغَ على الجانب الإبداعي للنص؛ إذ حافظ الكاتب على ما يحتاجه السرد القصصي من خيال وإحساس ودهشة. ومن خلال التركيز على تفاصيل صغيرة في حياة سكان المخيم، استطاع أن يخلق فضاءً قصصيًا واسعًا يسمح للقارئ بالمشاركة في تشكيل معانيه وصوره.
ويبدأ ذلك من عنوان المجموعة نفسه؛ فـ»رائحة الزينكو» عنوان يثير التساؤل ويستفز المخيلة، إذ يمنح بيوت الصفيح رائحة خاصة تتحول إلى رمز للذاكرة والحنين والمعاناة، مما يجعله عتبة دلالية مهمة تقود القارئ إلى أجواء النصوص وأسرارها.
وعلى الرغم من أن معظم قصص المجموعة تستند إلى ذكريات وتجارب واقعية، فإنها تحتفظ بقدر واضح من الإبداع الفني، يكشف امتلاك الكاتب لأدواته السردية وقدرته على اختزال الأفكار والمعاني في جمل قصيرة تحمل وضوح الفكرة وقوة الدلالة ودهشة الصورة. وقد كتب أبو لبن هذه القصص بلسان راوٍ يترك المجال للأحداث والشخصيات كي تتحدث عن نفسها دون أن يفرض حضوره عليها، الأمر الذي أتاح تعدد زوايا الرؤية وعمّق البعد الإنساني للنصوص.
وتتمحور قصص المجموعة حول حياة اللاجئين في المخيم بما تحمله من فقر وعوز ومرض وتشرد، حيث يتقاسم الناس أحزانهم وهمومهم واحتياجاتهم الأساسية في مواجهة واقع قاسٍ وذكريات أليمة. وقد مهّد الكاتب لهذا العالم عبر نص افتتاحي بعنوان «مفتتح» يشبه البيان السردي الذي يضيء الفكرة الرئيسية للمجموعة ويؤكد أن الحكايات ليست مجرد روايات عن الخيام والطعام والحرمان، بل عن شعب يعيش ويحلم ويقاوم رغم كل شيء.
وفي هذه الحياة المشتركة تتداخل أسباب المعاناة ونتائجها، ويتجاور الحزن مع الحنين في مشهد إنساني متواصل. ومن هنا تنبع قوة المجموعة في تصوير الذاكرة الجمعية للاجئين؛ إذ ينجح الكاتب في توثيق تفاصيلها بلغة أدبية مؤثرة، كما في قصة «على باب الطحين» التي تستحضر مشهد توزيع الطحين على اللاجئين، حيث لا يثقل ظهورهم الطحين بقدر ما تثقلها ذاكرة القرى والبيوت والمفاتيح المعلقة في القلوب.
وقد حرص أبو لبن على تقديم الجماعة بوصفها بطلاً رئيسيًا للنصوص، مع إبراز شخصيات تحمل دلالات رمزية في ذاكرة المخيم، مثل الصيدلي مايكل في «صيدلية الطليعة»، وأبي يوسف صاحب دكان الفلافل، وأبي محمد سائق التاكسي الذي تتحول كوفيته المعلقة على مرآة السيارة إلى رمز للحنين والإصرار على العودة.
كما تتجلى خصوصية حياة المخيم في نظرة سكانه إلى العالم الخارجي. ففي قصة «طوبة ناقصة في السور» تتحول فجوة صغيرة في جدار المدرسة إلى نافذة يطل منها الطفل موسى على عالم أوسع، في صورة تعبر عن توق الإنسان الدائم إلى تجاوز حدود المكان والظروف.
وتحتل مدرسة وكالة الغوث مكانة خاصة في ذاكرة المخيم، إذ يصورها الكاتب بوصفها جزءًا من تجربة الطفولة القاسية؛ فصفوفها المتواضعة تواجه المطر والبرد والطين، بينما يواصل الأطفال رحلتهم اليومية نحو التعليم رغم ما يحيط بهم من صعوبات.
ويبرز اهتمام الكاتب بالتفاصيل الصغيرة التي شكّلت الحياة اليومية للاجئين، متتبعًا تحولات المخيم من الخيام إلى بيوت الزينكو ثم إلى البيوت الإسمنتية. ومن خلال قصص مثل «بطاقة جوع»،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
