القبيلة في مهبّ الزمن. حين يتحوّل الانتماء إلى شعار

كان العربيُّ قديمًا لا يعرف نفسه إلا من خلال قبيلته، تمامًا كما يُعرَف النهرُ بمنبعه والشجرةُ بجذورها؛ فالقبيلة لم تكن مجرّد تجمّعٍ بشريٍّ يربطه النسب، بل كانت الدولةَ والجيشَ والقضاءَ والحمايةَ والهويّةَ في آنٍ واحد. كان الرجلُ يخطو خطوته الأولى فيسمع صوتَ أبيه يقول: "أنتَ ابنُ فلان، من بني فلان"، وفي هذه الجملة الموجزة ما يكفيه دستورًا وديوانًا وسيفًا مسلولًا. أما اليومُ، وقد أسدل الزمنُ ستارته الثقيلة على حقبةٍ بأسرها، فلم يبقَ من القبيلة في الغالب إلا اسمُها على لسان أصحابها، ورُبَّ شابٍّ يُسأل عن شيخ قبيلته فلا يعرف له اسمًا، بل ربما لا يعرف حدودَ قبيلته من أصلها.

أوّلًا: القبيلة حين كانت

لفهم عمق ما جرى، لا بدّ من استحضار ما كانت عليه القبيلةُ في ذاكرة التاريخ العربي. يُقرّر ابن خلدون في مقدّمته الشهيرة وهو أكثرُ من أرسى علم الاجتماع العربي على أُسُسٍ راسخة أنّ "العصبيةَ هي الركيزة الأولى لكلّ تجمّعٍ بشري، وأنّ الدولَ لا تقوم ولا تمتدّ إلا على ظهرها"، وقد رأى في العصبية القبلية محرّكًا لا تحلّ محلّه قوّةٌ أخرى ما دامت الحضارةُ في طور نشأتها. وكانت القبيلةُ فعلًا كذلك: تحكم النزاعاتِ، وتفضّ الخصوماتِ، وتُدبّر الديّاتِ والمواريثَ، وتُسيِّر الحياة الاقتصادية بالإبل والمرعى والبئر. وكان الشيخُ ذلك الرجل الذي وصفه الشاعر القديم بقوله: "عليه تحمل الأثقالُ والزبنُ" مرجعًا يُحكَّم في كلّ صغيرةٍ وكبيرة، لا يُستهان بكلمته ولا يُردّ حكمه.

ثانيًا: المجتمع يعيش بيئةٍ حضرية

التحوّلاتُ الكبرى لا تأتي في ليلةٍ واحدة، بل تتسرّب كما تتسرّب المياهُ من تحت الصخر. وقد بدأت بذورُ التحوّل تُلقى منذ منتصف القرن العشرين، حين أخذت الدولةُ المدنية الحديثة تتمدّد وتتوطّد، وتستأثر بما كان للقبيلة من أدوار. ففي المملكة العربية السعودية وهي النموذجُ الذي يكاد يكون الأبلغُ في هذا السياق شهدت عقودُ ما بعد البترول تحوّلًا هيكليًا عميقًا في بنية المجتمع؛ إذ انتقل الملايين من البداوة والريف إلى المدن الكبرى، وبات المواطن يتعامل مع وزاراتٍ ومحاكمَ وجهاتٍ حكومية رقمية لا مع شيخ العشيرة.

يُشير الدكتور عبدالله الغذامي إلى أن "المدينةَ الحديثة أعادت تعريف الهويّة، وباتت هويّة الفرد مرتبطةً بمهنته ومؤهّله ورقمه الوطني أكثر من ارتباطها بنسبه ورهطه".

و كشفت أرقامُ الهيئة العامة للإحصاء السعودية أن نسبة سكّان المدن تجاوزت 84% من إجمالي السكان خلال السنوات الأخيرة، وهي نسبةٌ تعني ببساطة أن أكثر من أربعةِ أخماس المجتمع يعيش في بيئةٍ حضريةٍ تطغى فيها العلاقاتُ الوظيفية والمهنية والرقمية على صلات القرابة والنسب.

ثالثًا: الشيخ الذي لا يُعرَف

ثمّةَ مفارقةٌ مؤلمةٌ في مشهد اليوم: يجلس شيخُ القبيلة في مجلسٍ فخمٍ، يُستقبَل فيه بالترحيب، ويُخاطَب بالإجلال، ويُصوَّر في حفلاتٍ وتجمّعاتٍ رسمية، لكنّه حين يمرّ بحيٍّ من أحياء المدينة قد يكون فيه مئةٌ من أبناء قبيلته، لا يعرفه منهم إلا النزرُ اليسير. فقد صارت مكانةُ شيخ القبيلة أقربَ إلى المكانة الرمزية؛ تُلقى عليه كلمةٌ في مناسبةٍ.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 32 دقيقة
اليوم - السعودية منذ 12 ساعة
صحيفة سبق منذ 3 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 6 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 13 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 3 ساعات
صحيفة سبق منذ 21 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 5 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات