لقد انتقل العالم خلال العقد الأخير إلى ما يسميه الباحثون "اقتصاد الانتباه". لم تعد السلعة التي تبيعها شركات التكنولوجيا هي المحتوى، بل وقت الإنسان نفسه. كل ثانية تقضيها أمام الشاشة تتحول إلى قيمة اقتصادية، وكل دقيقة إضافية تعني إعلانات أكثر وأرباحاً أكبر، بل وفي مدى أخطر، بيانات ضخمة متاحة لكل المآرب. ولذلك فإن الخوارزمية لا تسأل: هل هذا المحتوى نافع ومفيد؟ بل تسأل: هل أبقى الناس أمام الشاشة فترة أطول؟. ولعل هذا ما يشرح لنا: لماذا تنتشر بعض المقاطع والمنشورات التي تبدو لنا في غاية السخف والسطحية.
المشكلة ليست في وجود أشخاص تافهين، فالتاريخ لم يخلُ منهم يوماً. الجديد أن هناك نظاماً تقنياً بالغ الذكاء اكتشف أن أكثر ما يجذب انتباه الإنسان ليس دائماً الحكمة أو الجمال، وإنما الغضب، والاستفزاز، والصدمة، والفضيحة، والصراع.
علم النفس يفسر ذلك بما يعرف بـ"انحياز السلبية". فالإنسان، بحكم تطوره البيولوجي، ينتبه للخطر أكثر مما ينتبه للجمال، فلو تصادف وجود أفعى تحت شجرة الجاكرندا الجميلة، سيذهب اهتمام الإنسان للأفعى لا للشجرة. والخوارزميات لم تدرس علم النفس، لكنها تعلمت هذا الدرس من مليارات المستخدمين. فكلما أثار منشور الغضب، ازدادت التعليقات، وكلما كثرت التعليقات، اعتقدت الخوارزمية أن المحتوى مهم، فتدفع به إلى مزيد من الناس.
هكذا ولد ما يسميه الباحثون اليوم "اقتصاد الغضب". الغضب لم يعد مجرد شعور إنساني، بل أصبح وقوداً رقمياً. نعم ثمة من يتاجر بغضبنا بإثارته بمحتوى تافه للغاية.
أتذكر حينما انتشر ما عرف بتحدي "تايد بود" القائم على ابتلاع كبسولات الغسيل الملون من مراهقين، كيف كان عدد من مارس هذا السلوك السخيف محدوداً للغاية، لكن التغطية الإعلامية الضخمة، والتحذيرات المتكررة، وملايين المشاركات الساخرة والغاضبة، صنعت منه حدثاً عالمياً يفوق حجمها الحقيقي بأضعاف. لم يكن التحدي هو الذي انتشر وانتصر بذاته، بل الاهتمام الذي مُنح له.
والأمر نفسه نراه في فضائنا المحلي بصورة تكاد تتكرر يومياً. يكفي أن يكتب شخص مجهول شتيمة للأردن، أو إساءة للمرأة، أو تطاولاً على موروث، أو استفزازاً للعشائر، حتى تتحول صفحته خلال ساعات إلى أشهر صفحة في البلاد. لا لأن ما كتبه يحمل قيمة فكرية، بل لأن آلاف الناس اندفعوا إلى صفحته. شتموه، وهاجموه، وصوروا منشوره، وأعادوا نشره، وكتبوا عنه المقالات، وصنعوا منه موضوعاً للنقاش في المجالس والبرامج والمنصات. للأسف يظن البعض أنه بذلك يعري المنشور ويبطله ويحاصره، بينما.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرأي الأردنية
