اربیل (كوردستان 24) - تخطو الخالة "خديجة" بخطوات وقورة في فناء منزلها، حاملةً في يديها المتعبتين سر مهنة توارثتها الأجيال، مهنة تعود بها إلى أصول الأرض والتراب. فمنذ نحو 25 عاماً، تنهمك هذه السيدة الكوردية في صناعة تنانير الطين التقليدية (التندور)، محولةً الطين الصامت إلى أدوات حية تعبق برائحة الخبز والماضي.
طين وتبن وماء.. خلطة الصبر والجهد تبدأ الخالة خديجة يومها بجمع المكونات الأساسية لصناعة التنور: الطين النقي، والتبن، والماء. وتقول خديجة لـ "كوردستان 24": "اسمي خديجة، وأعمل في هذه المهنة منذ ما يقارب ربع قرن. نقوم بجلب التراب الخاص، ونخلطه بالتبن والماء، ثم نعجنه بأيدينا جيداً وبجهد كبير حتى يتماسك الطين ويكون جاهزاً للتشكيل".
وتضيف وهي تطوف حول تنانيرها المصنوعة بدقة دائريّة: "في السابق، كانت صحتنا أفضل والعمل يبدو أسهل، أما اليوم ومع تقدم العمر، فإن المشقة تزداد، لكننا نواصل العمل للحفاظ على هذه الحرفة وتأمين لقمة العيش".
من شيخان وشاريا إلى أربيل.. جودة تجذب الزبائن تلقى تنانير الخالة خديجة إقبالاً كبيراً من مختلف مناطق إقليم كوردستان، حيث لا يزال الكثير من العائلات يفضلون الخبز التقليدي المصنوع على حطب التنور الطيني. وعن حركة البيع والشراء تشير قائلة: "نصنع في اليوم الواحد تنورين أو ثلاثة بحسب الطلب والقدرة الجسدية. ويأتي إلينا الزبائن من كل حدب وصوب؛ من القرى، والمجمعات السكنية، والمدن، وحتى من مناطق شيخان وشاريا، بل إن بعض الزبائن جاؤوا من أربيل خصيصاً لشراء تنانيرنا ونقلها إلى هناك".
اللمسات الأخيرة.. النار والتشكيل فبعد تشكيل التنور الطيني وتركه ليجف قليلاً، تقوم الخالة خديجة بوضع قطع الكرتون وإيقاد النار في جوف التنور كعملية "فخر" أو تجفيف حراري تسهم في تماسك الطين وقوته. تلي ذلك مرحلة فتح "نافذة التهوية" السفلية للتنور باستخدام السكين، وصقل حوافه الدائرية بالماء لتصبح ناعمة وجاهزة للاستخدام.
تختتم الخالة خديجة حديثها بابتسامة تملأ وجهها الذي خطت عليه السنون قصص الكفاح، واضعةً يدها على تنورها الجاهز معلنةً نهاية يوم آخر من العمل الشاق لإحياء حرفة تأبى الاندثار أمام التكنولوجيا الحديثة.
هذا المحتوى مقدم من كوردستان 24





