اتفاق الإطار اللبناني بين إعادة هندسة الامن الإقليمي وإعادة تعريف السيادة: قراءة قانونية واستراتيجية نقدية

كتبت - د. رلى الحروب لم يُستقبل اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي بوصفه مجرد تفاهم جديد لوقف إطلاق النار أو معالجة القضايا الأمنية العالقة بين لبنان وإسرائيل، بل قُدم باعتباره بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب الواقع الأمني في جنوب لبنان. إلا أن القراءة المتأنية لنصوص الاتفاق، وللظروف الإقليمية التي أحاطت بولادته، تشير إلى أن الاتفاق يتجاوز الإطار اللبناني بكثير، ويشكل إحدى حلقات مشروع إقليمي أوسع لإعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط. فالوثيقة جاءت في توقيت شديد الحساسية، عقب المواجهة العسكرية الأمريكية الإيرانية، وبعد التوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت إلى احتواء التصعيد بين واشنطن وطهران، وفي وقت كانت فيه المنطقة تشهد حراكاً متوازياً شمل البيان الخليجي الأمريكي، الذي جاء صدى لمطالب الجناح الصقوري في إدارة ترمب، وتصاعد الحراك لتأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، وإعادة تنشيط التحالفات البحرية الغربية بما فيها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فضلاً عن استمرار الجهود الخليجية الرامية إلى احتواء التوتر مع إيران، وما رافقها من أدوار صينية متزايدة في الوساطة الإقليمية. ومن هنا، فإن قراءة الاتفاق بمعزل عن هذا السياق الواسع تفضي إلى نتائج ناقصة. فالاتفاق لا يعالج فقط العلاقة بين لبنان وإسرائيل، بل يعكس تصوراً أوسع لإعادة هندسة البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل، وإعادة توزيع موازين القوة في المشرق العربي والخليج، بما ينسجم مع أولويات السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المرحلة الراهنة. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمثل مجرد تسوية أمنية، وإنما يشكل أداة ضمن مشروع إقليمي أشمل يهدف إلى تفكيك منظومة الردع الإيرانية، وإعادة بناء النظام الأمني في الشرق الأوسط على أسس جديدة، من خلال نزع أدوات القوة غير التقليدية، وإخضاعها لرقابة أمنية ودبلوماسية تقودها الولايات المتحدة، مع توافق واسع مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية. ولإثبات هذه الفرضية، تتناول الورقة الاتفاق من ثلاثة مستويات متكاملة: المستوى الأول: تحليل بنود الاتفاق وتحليل آثارها القانونية والسياسية. المستوى الثاني: بيان مواطن الاختلال في التوازن بين التزامات لبنان والحقوق التي احتفظت بها إسرائيل. المستوى الثالث: ربط الاتفاق بالسياق الإقليمي الأوسع، باعتباره إحدى أدوات إعادة تشكيل الأمن الإقليمي، وليس مجرد اتفاق ثنائي محدود. وتذهب الورقة إلى أن أخطر ما في الاتفاق لا يكمن في أي بند منفرد، وإنما في البنية العامة التي يقوم عليها؛ إذ ينقل مركز الثقل من إنهاء النزاع إلى إدارة النزاع وفق قواعد جديدة، تمنح إسرائيل هامشاً واسعاً من حرية الحركة العسكرية، مقابل تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية إنهاء البنية العسكرية لحزب الله، مع تدويل عملية التنفيذ وإخضاعها لإشراف خارجي، وهو ما يثير أسئلة جوهرية تتعلق بالسيادة اللبنانية، وتوازن الالتزامات، ومدى اتساق الاتفاق مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي واتفاقيات السلام الدولية. فرضية الدراسة نطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمثل مجرد ترتيب أمني مرحلي لتنظيم وقف الأعمال العدائية، وإنما يعكس اتجاهاً أوسع نحو إعادة صياغة البيئة الأمنية في لبنان ضمن ترتيبات إقليمية ودولية جديدة. وتختبر الدراسة هذه الفرضية من خلال تحليل النصوص القانونية للاتفاق، وقياسها على قواعد القانون الدولي، وبيان آثارها المحتملة على سيادة الدولة اللبنانية، وتوازن الحقوق والالتزامات بين أطراف الاتفاق، دون افتراض مسبق بصحة هذه الفرضية أو بطلانها، وإنما بالاستناد إلى النصوص والوقائع محل الدراسة. حدود الدراسة تركز هذه الدراسة على التحليل القانوني والاستراتيجي لاتفاق الإطار اللبناني بوصفه وثيقة قانونية ذات آثار سيادية وأمنية، وذلك من خلال تحليل نصوصه في ضوء قواعد القانون الدولي والممارسة الاتفاقية المقارنة، استنادا إلى السياق الإقليمي الذي نشأ فيه لفهم بيئته الاستراتيجية. ولا تهدف الدراسة إلى تقييم المواقف السياسية للأطراف أو الحكم على نواياها أو أهدافها، كما لا تدعي الجزم بتفسير واحد للتحولات الإقليمية، وإنما تقدم قراءة تحليلية تستند إلى النصوص والوقائع المعلنة، وتختبر فرضياتها في ضوء المبادئ القانونية والمعطيات الاستراتيجية المتاحة. ولا يعني تناول الاتفاق بالنقد القانوني أو الاستراتيجي تبني موقف سياسي مؤيد أو معارض لأي من أطرافه، وإنما يهدف إلى اختبار مدى اتساق أحكامه مع المبادئ العامة للقانون الدولي، وتحليل آثاره المحتملة في ضوء البيئة الإقليمية التي نشأ فيها. منهج الدراسة تعتمد هذه الدراسة مقاربة تجمع بين التحليل القانوني والتحليل الاستراتيجي، انطلاقاً من أن اتفاقات الترتيبات الأمنية لا يمكن تقييمها بالاقتصار على قراءة نصوصها المجردة، كما لا يجوز، في المقابل، إخضاعها لتحليل سياسي مجرد يتجاوز بنيتها القانونية. ومن ثم، تنطلق الدراسة من النصوص الواردة في اتفاق الإطار بوصفها موضوعها الرئيس، ثم تفسر آثارها القانونية في ضوء قواعد القانون الدولي العام، وميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ المستقرة في قانون المعاهدات والقانون الدولي الإنساني، مع الاستئناس بالاجتهادات القضائية الدولية والممارسة الاتفاقية المقارنة كلما كان ذلك ضرورياً. كما تستعين الدراسة بالتحليل المقارن من خلال مراجعة عدد من الاتفاقات الدولية والترتيبات الأمنية المشابهة، بهدف بيان أوجه التشابه والاختلاف فيما يتعلق بتوازن الحقوق والالتزامات، وحدود استخدام القوة، وآليات التنفيذ، واحترام سيادة الدول، دون افتراض تطابق الظروف السياسية أو الأمنية التي أحاطت بكل حالة. وفي الوقت ذاته، لا تفصل الدراسة النصوص القانونية عن البيئة السياسية والاستراتيجية التي نشأت فيها. فالاتفاقات الأمنية لا تُبرم في فراغ، وإنما تعكس تفاعلات إقليمية ودولية تؤثر في بنيتها وأهدافها وآليات تنفيذها. ولذلك، تستعين الدراسة بالسياق الإقليمي لفهم الظروف التي جاء فيها اتفاق الإطار، على أن يبقى هذا السياق أداة تفسير مساعدة، لا بديلاً عن التحليل القانوني، ولا أساساً لاستخلاص نتائج تتجاوز ما تسمح به النصوص والوقائع الموثقة. الإطار التحليلي للدراسة: من منطق وقف إطلاق النار إلى منطق إعادة تشكيل البيئة الأمنية تقوم هذه الدراسة على التمييز بين نمطين مختلفين من الاتفاقات الدولية. فالنمط الأول يتمثل في الاتفاقات التي يكون هدفها الأساسي إنهاء النزاع أو الحد من آثاره، من خلال تحقيق قدر من التوازن بين الالتزامات المتبادلة، بما يؤدي إلى تخفيض احتمالات العودة إلى استخدام القوة، وإرساء قواعد أكثر استقراراً لإدارة العلاقات بين الأطراف المتنازعة. أما النمط الثاني، فيتمثل في الاتفاقات التي تُستخدم كوسيلة لإعادة تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بأحد أطراف النزاع، بحيث لا يقتصر دورها على تنظيم العلاقة بين الخصوم، وإنما يمتد إلى إعادة توزيع عناصر القوة، وتغيير موازين الردع، وخلق واقع استراتيجي جديد يحد من قدرة أحد الأطراف على استعادة موقعه السابق. وانطلاقاً من هذا التمييز، تفترض هذه الدراسة أن اتفاق الإطار اللبناني يقترب، في بنيته العامة، من النموذج الثاني أكثر من اقترابه من النموذج الأول. فالنصوص الأساسية للاتفاق لا تقتصر على تنظيم إجراءات وقف الأعمال العدائية أو معالجة النقاط الحدودية، وإنما تتناول بصورة مباشرة إعادة هيكلة البيئة الأمنية اللبنانية، من خلال ربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية في المجال الأمني، وإلزامها باتخاذ إجراءات عملية لإنهاء وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية، مع إخضاع هذه العملية لآليات متابعة وتنسيق دولية. وفي المقابل، لا يظهر أن الاتفاق يفرض التزامات مماثلة على إسرائيل فيما يتعلق بإنهاء استخدام القوة أو وقف العمليات العسكرية بصورة نهائية، بل يحتفظ لها بهامش واسع للتحرك العسكري استناداً إلى مفهوم الدفاع عن النفس، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى التوازن بين الالتزامات المتبادلة، وحول طبيعة البيئة الأمنية الجديدة التي يسعى الاتفاق إلى إنتاجها. وتزداد أهمية هذه الملاحظة إذا وضع الاتفاق في سياقه الإقليمي الأشمل، حيث جاء في مرحلة شهدت إعادة ترتيب متسارعة لعدد من الملفات المتصلة بإيران والخليج وحرية الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وعسكرية أمريكية هدفت إلى إعادة بناء منظومة الردع الإقليمي. ومن ثم، فإن القراءة التي تعتمدها هذه الدراسة لا تنطلق من افتراض أن الاتفاق يمثل وثيقة لبنانية مستقلة، وإنما من فرضية مفادها أن الاتفاق يشكل إحدى الأدوات التنفيذية ضمن عملية أوسع لإعادة تشكيل الهندسية الأمنية في الشرق الأوسط، وأن تقييمه ينبغي أن يتم في ضوء هذه البيئة الاستراتيجية المتكاملة، لا في ضوء الساحة اللبنانية وحدها. ولا تدعي هذه الدراسة أن هذه الفرضية تمثل حقيقة نهائية، وإنما تتعامل معها بوصفها فرضية تفسيرية قابلة للاختبار من خلال تحليل نصوص الاتفاق، ومقارنتها بالسياق السياسي والعسكري الذي سبق توقيعه وأعقبه، ومدى اتساقها مع التحولات الأوسع في الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تجاه الإقليم. المبحث الأول الخلفية الاستراتيجية لاتفاق الإطار اللبناني: من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في المشرق لم يولد اتفاق الإطار اللبناني الإسرائيلي في فراغ سياسي أو أمني، وإنما جاء في لحظة إقليمية بالغة التعقيد أعقبت واحدة من أخطر جولات المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي انتهت بالتوصل إلى مذكرة تفاهم هدفت، في ظاهرها، إلى احتواء التصعيد وفتح الباب أمام مسار تفاوضي جديد بين الطرفين. وقد بدت مذكرة التفاهم، عند إعلانها، وكأنها تمثل تحولاً في المقاربة الأمريكية تجاه إيران؛ إذ أوحت بأن واشنطن باتت تميل إلى إدارة الصراع مع النظام الإيراني من خلال مزيج من الردع والتفاوض، بدلاً من السعي إلى إسقاطه أو الدخول في مواجهة عسكرية مفتوحة معه. كما رأت دوائر سياسية وإعلامية غربية أن الاتفاق أتاح لإيران الخروج من المواجهة دون خسائر استراتيجية حاسمة، بل وذهب بعض المحللين إلى القول إن طهران استطاعت المحافظة على جزء كبير من قدراتها العسكرية والإقليمية، الأمر الذي خلق انطباعاً بأنها خرجت من الأزمة أكثر تماسكاً مما كان متوقعاً. إلا أن الأيام التي أعقبت توقيع مذكرة التفاهم شهدت سلسلة متسارعة من التحركات السياسية والعسكرية يصعب النظر إليها باعتبارها أحداثاً منفصلة. فقد تحركت الدبلوماسية الأمريكية بصورة مكثفة في أكثر من اتجاه، بالتوازي مع تصعيد عسكري ملحوظ في الخليج، الأمر الذي يثير تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم تمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة من التهدئة، أم أنها كانت مجرد محطة انتقالية أعقبها تعديل جذري في آليات تنفيذ السياسة الأمريكية تجاه إيران. فعلى المستوى الدبلوماسي، تكثفت الاتصالات الأمريكية مع دول الخليج، وصدر البيان الخليجي الأمريكي الذي أعاد التأكيد على أمن الخليج وحرية الملاحة والشراكة الأمنية، في وقت استمرت فيه الجهود الأمريكية لإطلاق اتفاق الإطار اللبناني، باعتباره جزءاً من إعادة ترتيب البيئة الأمنية على الحدود الشمالية لإسرائيل. وفي الوقت نفسه، شهد الملف اللبناني تحولاً نوعياً، إذ انتقل من إطار إدارة وقف إطلاق النار إلى طرح تصور يقوم على إعادة هيكلة البيئة الأمنية اللبنانية من خلال ربط أي انسحاب إسرائيلي تدريجي بعملية نزع سلاح حزب الله، وإقامة آليات إشراف وتنسيق أمنية ذات طابع دولي بقيادة الولايات المتحدة، الأمر الذي نقل مركز الثقل من معالجة النزاع الحدودي إلى إعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية في المجال الأمني. أما على المستوى العسكري، فقد تزامنت هذه التحركات مع استئناف الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران، وما أعقبها من ردود إيرانية استهدفت مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في الخليج، الأمر الذي أعاد مضيق هرمز إلى صدارة المشهد الاستراتيجي، وأعاد طرح فكرة تدويل أمن الملاحة، وتوسيع دور الحلفاء الغربيين، بما في ذلك الحديث عن مساهمة حلف شمال الأطلسي في حماية خطوط التجارة والطاقة إذا اقتضت الضرورة. وفي المقابل، كانت المنطقة تشهد مساراً موازياً لا يقل أهمية، تمثل في استمرار محاولات بعض الدول الخليجية، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية وقطر، تطوير مسار التهدئة مع إيران، والبناء على المصالحة التي رعتها الصين، بما يحد من احتمالات المواجهة العسكرية المباشرة، ويؤسس لنظام أمني إقليمي أكثر اعتماداً على التفاهمات السياسية وأقل اعتماداً على الاستقطاب العسكري. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة إذا ما وضعت في سياق أوسع يتمثل في محاولات إعادة تشكيل منظومة العلاقات الإقليمية، بما في ذلك تنامي التنسيق بين عدد من القوى الإسلامية والإقليمية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، وباكستان، وهو ما أثار نقاشاً متزايداً حول إمكانية نشوء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقلالاً عن المظلة الأمنية الأمريكية التقليدية. ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى اتفاق الإطار اللبناني باعتباره جزءاً من عملية إعادة هندسة شاملة للأمن الإقليمي، تتجاوز حدود الساحة اللبنانية، وتهدف إلى إعادة توزيع عناصر القوة في الإقليم. ففي الوقت الذي تتجه فيه الضغوط العسكرية والدبلوماسية نحو تقليص نفوذ إيران وأدواتها الإقليمية، يجري العمل بالتوازي على إعادة دمج دول الخليج في منظومة أمنية تقودها الولايات المتحدة، وعلى إعادة تنظيم الملف اللبناني بصورة تجعل مستقبل السلاح خارج إطار الدولة جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع، لا من معادلات داخلية لبنانية فحسب. وانطلاقاً من هذا الترابط الزمني والسياسي، تطرح هذه الدراسة فرضية مفادها أن اتفاق الإطار اللبناني لا يمكن فهمه باعتباره استجابة منفصلة للواقع اللبناني، وإنما يمثل إحدى الأدوات التنفيذية في مشروع أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية في الشرق الأوسط. وتفترض هذه القراءة أن الاتفاق جاء في سياق انتقال السياسة الأمريكية من مرحلة احتواء نتائج المواجهة مع إيران إلى مرحلة إعادة صياغة موازين القوة الإقليمية، بما يهدف إلى الحد من قدرة طهران على توظيف أوراقها العسكرية والسياسية في لبنان والخليج، وإعادة بناء منظومة ردع جديدة تتكامل فيها الأدوات الدبلوماسية والعسكرية ضمن إطار استراتيجي واحد. المبحث الثاني القراءة النقدية لبنود اتفاق الإطار اللبناني أولاً: إضفاء الشرعية على الاستخدام المستمر للقوة: قراءة نقدية في بند "حق الدفاع عن النفس" يمثل النص الذي يؤكد احتفاظ إسرائيل بحقها في "الدفاع عن النفس" أحد أكثر بنود اتفاق الإطار اللبناني إثارة للجدل، ليس بسبب ورود هذا المبدأ في حد ذاته، إذ إن حق الدفاع عن النفس معترف به في المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، وإنما بسبب الطريقة التي جرى إدراجه بها ضمن بنية الاتفاق، والآثار القانونية والسياسية التي يمكن أن تترتب عليه في السياق اللبناني. فمن الناحية القانونية، يقوم حق الدفاع الشرعي عن النفس في القانون الدولي على مجموعة من الضوابط المستقرة، أهمها وقوع هجوم مسلح، وضرورة الرد، والتناسب بين الهجوم والدفاع، والطابع المؤقت لهذا الحق إلى حين اضطلاع مجلس الأمن بمسؤولياته. كما أن الفقه والقضاء الدوليين أكدا مراراً أن هذا الحق لا يجوز أن يتحول إلى مبرر دائم لاستخدام القوة خارج إطار الضوابط التي أرساها ميثاق الأمم المتحدة. غير أن الصياغة الواردة في اتفاق الإطار اللبناني تثير إشكالية مختلفة؛ إذ لا تقتصر على إعادة التذكير بمبدأ قانوني عام، وإنما تؤدي، من الناحية العملية، إلى منح إسرائيل هامشاً واسعاً للاستمرار في استخدام القوة داخل الأراضي اللبنانية، حتى بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ، متى قدرت بصورة منفردة أن نشاطاً معيناً يشكل تهديداً لأمنها. وبذلك، ينتقل الاتفاق من كونه أداة لإنهاء الأعمال العسكرية إلى إطار قانوني وسياسي يسمح باستمرارها وفق تقدير أحد أطراف النزاع، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى اتساق هذا التنظيم مع الغاية الأصلية التي يفترض أن تحققها اتفاقات وقف إطلاق النار أو الاتفاقات الأمنية الانتقالية. وتزداد خطورة هذه الصياغة إذا أخذ في الاعتبار الواقع العملي الذي شهدته السنوات الأخيرة، حيث تبنت إسرائيل مفهوماً بالغ الاتساع لفكرة "الدفاع الوقائي"، وشمل ذلك تنفيذ عمليات اغتيال، وقصف منشآت مدنية، واستهداف طرق ومركبات ومخازن ومراكز اتصالات ومبانٍ سكنية، استناداً إلى تقديرات استخباراتية تتعلق بوجود عناصر أو بنى تحتية مرتبطة بحزب الله. وفي ظل غياب تعريف دقيق لمفهوم "التهديد" داخل الاتفاق، يصبح من المتصور أن يمتد هذا التفسير ليشمل طيفاً واسعاً من الأنشطة والأشخاص والمواقع، بما يجعل استخدام القوة قابلاً للاستمرار بصورة شبه دائمة. ومن زاوية أخرى، يلاحظ أن الاتفاق يرتب على الدولة اللبنانية التزامات إيجابية واسعة النطاق، تتمثل في نزع سلاح الجماعات المسلحة، ومنع إعادة تشكيل بنيتها العسكرية، وضمان عدم استخدامها للأراضي اللبنانية، في حين لا يقابل ذلك التزام مماثل على الجانب الإسرائيلي بوقف نهائي وغير مشروط لاستخدام القوة. وبهذا المعنى، فإن الاتفاق لا ينشئ علاقة متوازنة بين الحقوق والالتزامات، وإنما يوزع الأعباء بصورة غير متماثلة، بحيث تتحمل الدولة اللبنانية مسؤولية منع أي تهديد محتمل، بينما تحتفظ إسرائيل بحق تقدير استمرار التهديد واتخاذ الإجراءات العسكرية التي تراها مناسبة. ويؤدي هذا الاختلال إلى نتيجة ذات دلالة استراتيجية، تتمثل في أن الاتفاق لا ينقل العلاقة بين الطرفين من حالة الحرب إلى حالة السلم، وإنما ينقلها إلى نمط جديد يمكن وصفه بـ"الحرب المقيدة" أو "الحرب المنظمة"، حيث تستمر العمليات العسكرية ولكن ضمن إطار سياسي جديد يضفي عليها قدراً أكبر من المشروعية السياسية والدبلوماسية. ولا تقتصر آثار هذا التنظيم على العلاقة الثنائية بين لبنان وإسرائيل، بل تمتد إلى البيئة الإقليمية الأوسع. فإذا كان أحد الأهداف المعلنة للاتفاق هو إنهاء قدرة حزب الله على العمل العسكري المستقل، فإن احتفاظ إسرائيل بحق التدخل العسكري المنفرد يجعل أي محاولة لإعادة بناء القدرات العسكرية للحزب، أو حتى الاشتباه في وجودها، سبباً محتملاً لاستئناف الضربات الجوية والعمليات الخاصة، بما يكرس تفوقاً عسكرياً دائماً لطرف واحد، ويحول الاتفاق إلى أداة لإعادة تشكيل ميزان الردع في شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان، وليس مجرد آلية لوقف إطلاق النار. ومن ثم، ترى هذه الدراسة أن بند "حق الدفاع عن النفس" لا يمثل مجرد إعادة تأكيد لمبدأ قانوني مقرر في ميثاق الأمم المتحدة، وإنما يؤدي، في ضوء الصياغة التي ورد بها والسياق الذي أبرم فيه الاتفاق، إلى إضفاء شرعية سياسية على استمرار استخدام القوة داخل الأراضي اللبنانية، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى توافقه مع مبدأ سيادة الدول، ومع الغاية الأساسية.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 9 ساعات
خبرني منذ 5 ساعات
خبرني منذ 13 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 10 ساعات
خبرني منذ 16 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات
قناة رؤيا منذ 19 ساعة
قناة المملكة منذ 15 ساعة