كتب - زياد فرحان المجالي
لا تبدو التحركات الأمريكية الأخيرة في الشرق الأوسط مجرد مبادرات دبلوماسية منفصلة، بل تعكس إعادة تموضع أعمق في التفكير الاستراتيجي داخل واشنطن. فالمشهد الذي يتشكل بهدوء يؤكد أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تحاول الانتقال من سياسة إدارة الصراعات المفتوحة إلى سياسة إدارة التوازنات، ولو جاء ذلك على حساب كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة الأمريكية مع حلفائها التقليديين لعقود. فعندما تتقاطع الأحاديث عن قنوات تفاوض مع طهران، وخطط لإعادة الإعمار، وفتح آفاق اقتصادية ضخمة، مع رغبة ترامب في تحقيق اختراق تاريخي يمنحه مكانة دولية استثنائية، فإن السؤال لم يعد متعلقاً فقط بالملف النووي الإيراني، بل بموقع إيران نفسه في الرؤية الأمريكية الجديدة للمنطقة. لقد وصلت واشنطن إلى قناعة عملية بأن دولة بحجم إيران، بما تملكه من موقع جغرافي يلامس أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، وثقل سكاني، وتأثير إقليمي ممتد، لا يمكن التعامل معها بوصفها مجرد خصم دائم، بل باعتبارها رقماً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة أمنية أو اقتصادية مستقبلية في الخليج. الحرب الأخيرة كشفت أيضاً حدود القوة الأمريكية التقليدية. فقد أثبتت أزمة مضيق هرمز أن أمن الطاقة العالمي يمكن أن يهتز خلال ساعات، وأن الاقتصاد الأمريكي نفسه يتأثر سريعاً بارتفاع أسعار النفط. ومن هنا لم يعد التصعيد المستمر خياراً قليل الكلفة، بل تحول إلى عبء داخلي ينعكس على الأسواق والناخب الأمريكي، وهو ما يدفع الإدارة إلى البحث عن تسويات أكثر براغماتية. في المقابل، تبدو إسرائيل أمام واقع مختلف عمّا اعتادت عليه. فهي ما تزال الحليف العسكري الأقرب لواشنطن، لكنها تجد نفسها مطالبة بالتكيف مع أولويات أمريكية لم تعد تتطابق دائماً مع أولوياتها الأمنية. ومع إعادة نشر القدرات الأمريكية في المنطقة، تتحول الجغرافيا الإسرائيلية تدريجياً إلى قاعدة عمليات متقدمة للمصالح الأمريكية، وهو ما يعزز أهميتها العسكرية، لكنه يجعلها في الوقت نفسه أكثر التصاقاً بأي مواجهة إقليمية مقبلة. وهنا لا تعني البراغماتية الأمريكية أن واشنطن تستبدل إسرائيل بإيران، بل تعني أنها تعيد توزيع أدوار الحلفاء والخصوم وفق منطق المصلحة والكلفة والعائد. فإسرائيل تبقى أداة مركزية في الحساب العسكري الأمريكي، لكنها لم تعد وحدها كافية لضبط الإقليم، وإيران تبقى خصماً أيديولوجياً.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
