ليس من الإنصاف أن نعتاد الحديث عن الإخفاقات، ثم نصمت حين يتحقق النجاح.
ولهذا أكتب اليوم عن النقاط المضيئة في مشروعات وأصول الدولة المصرية؛ لا بدافع المجاملة، وإنما بدافع الإنصاف، سأكتب عنها وأنا فخور كمواطن مصري، لأن هناك مؤسسات وطنية استطاعت أن تثبت أن الدولة، عندما تمتلك الرؤية والإدارة والكفاءة، تستطيع أن تنافس القطاع الخاص، بل وأن تتفوق في بعض التجارب.
فليست كل الأصول الحكومية عبئًا، وليست كل الشركات العامة قصة خسارة، وهناك نماذج بدأت من حيث انتهى الآخرون، وانتشلت نفسها من قاع التعثر إلى قمة النجاح، ومن مشروع فقد كثيرون الثقة فيه إلى أصل استثماري تتسابق إليه الأنظار.
هذه ليست مجرد قصة مبانٍ أو طرق أو مرافق.. إنها قصة إدارة صنعت الفارق، ورؤية أعادت الثقة، وإرادة أثبتت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ حين يتحول اليأس إلى أمل، والشك إلى يقين، والأصول الصامتة إلى قيمة اقتصادية تدر عائدًا للدولة، وتخلق ثروة للمواطن.
وأرى أن مدينة هليوبوليس الجديدة تستحق أن تكون أولى محطات هذه السلسلة، لأنها تمثل واحدة من أكثر قصص التحول إلهامًا في السنوات الأخيرة.
وهليوبوليس الجديدة ليست مشروعًا عقاريًا عاديًا، بل هي الامتداد الطبيعي لواحدة من أعرق التجارب العمرانية في تاريخ مصر، وهي حي مصر الجديدة (هليوبوليس) الذي أسسه مطلع القرن العشرين البارون البلجيكي إدوارد إمبان، ليصبح أيقونة للتخطيط العمراني والعمارة الراقية، ورمزًا للجمال والرقي في القاهرة، ومن هنا جاء اسم هليوبوليس الجديدة؛ ليس مجرد اسم، بل امتداد لهوية عمرانية وتاريخية تحمل إرث مصر الجديدة العريق، وتسعى إلى إعادة تقديمه برؤية تناسب القرن الحادي والعشرين، وتتولى تطوير المدينة شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، إحدى أعرق شركات التطوير العقاري في مصر، والتي تأسست منذ أكثر من قرن لإنشاء حي مصر الجديدة نفسه، قبل أن تواصل اليوم مسيرتها في استكمال امتداده الحديث شرق القاهرة.
ولعل ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها أن الشركة ليست مطورًا عقاريًا خاصًا، وإنما شركة وطنية تمتلك الدولة الحصة الحاكمة فيها، وهو ما يجعل نجاح هليوبوليس الجديدة نجاحًا لأحد أهم أصول الدولة المصرية، ودليلًا على أن الإدارة الواعية تستطيع أن تحول الأصول العامة إلى مشروعات تنافس أقوى الكيانات في السوق العقارية.
تعود قصة هليوبوليس الجديدة إلى صدور القرار الجمهوري رقم 193 لسنة 1995م لتخصيص مساحة 5885 فدانًا في مدينة الشروق (والتي عُرفت لاحقًا بمدينة هليوبوليس الجديدة) لصالح شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، وذلك لتعويض الشركة عن أجزاء من أراضيها التي دخلت ضمن خطة تطوير وتوسعات مطار القاهرة الدولي، وكان الهدف آنذاك تعويض أحد أعرق أصول الدولة بأصل عمراني جديد يحمل اسم هليوبوليس الجديدة، ليكون الامتداد الطبيعي لحي مصر الجديدة التاريخي الذي أسسه البارون إمبان قبل أكثر من قرن.
لكن الحلم لم يسر بالسرعة التي كان الجميع يتطلع إليها، ويبدو أن شركة مصر الجديدة، في ذلك الوقت، لم تكن تمتلك الرؤية أو الاستعداد الكافي لتحويل هذه المساحة الشاسعة من الصحراء إلى مدينة نابضة بالحياة، فقد وجدت نفسها أمام آلاف الأفدنة من الأراضي الجرداء، بينما كانت عملية التنمية تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وخطة طويلة النفس، وإدارة تؤمن بالمشروع قبل أن تطلب من الناس الإيمان به.
والمفارقة أن التاريخ كان قد قدّم الدرس نفسه قبل أكثر من قرن، فعندما جاء البارون إدوارد إمبان إلى شرق القاهرة، لم يجد سوى الصحراء، لكنه رأى فيها مدينة للمستقبل.
ومن قلب الرمال خرجت مصر الجديدة لتصبح واحدة من أرقى أحياء القاهرة وأكثرها تميزًا. غير أن ما نجح فيه البارون قبل ما يقرب من مائة وخمسة وعشرين عامًا، لم يتكرر بسهولة في هليوبوليس الجديدة، فبقي المشروع سنوات طويلة ينتظر من يعيد إليه الحلم، ويؤمن بأن الصحراء ليست عائقًا، بل بداية لمدينة عظيمة.
وعلى مدار ما يزيد عن ثلاثة عقود، ظلت المدينة أسيرة بطء التنمية، وضعف الخدمات، وتعقيدات التنفيذ، ونموذجا للبيروقراطية في أبشع صورها، حتى أصبحت لدى كثيرين رمزًا لمشروع لم يحقق الوعود التي وُلد بها، وكانت هليوبوليس الجديدة تعيش على هامش المدن المجاورة، وعاش السكان سنوات قاسية في قلب الصحراء؛ فالمياه لم تكن تأتيها من مصدر مستقل، بل كانت تعتمد إلى حد كبير على فائض ما يتبقى من استهلاك مدينة بدر، ولذلك لم يكن مستغربًا أن تنقطع المياه مرات عديدة خلال اليوم، وأن يتحول وصولها إلى انتظار يومي للسكان، أما الكهرباء، فلم تكن للمدينة محطة تغذيها بصورة مستقلة تكن تواكب طموح مدينة يُراد لها أن تصبح وجهة عمرانية كبرى، وكانت الطرق فيها طويلة غير ممهدة بلا حياة، ووسائل النقل لا تلبي احتياجات السكان، حيث عانت ضعفًا في البنية الأساسية، وكان الغاز الطبيعي قد وصل للعشوائيات، لكنه لم يصل إليها، وكانت خدمات الاتصالات شبه معدمة، لذلك افتقدت لأبسط مقومات الاستقرار؛ خدمات معدمة، ووسائل نقل محدودة، ومرافق غير مكتملة، وصحراء تحيط بها من كل جانب، حتى بدا الحلم يومًا وكأنه أبعد ما يكون عن الواقع.
بينما كان ملاك الوحدات يشاهدون قيمة استثماراتهم تتآكل عامًا بعد عام، فقد جاءوا إليها مغامرين وهم يصدقون أنها امتداد حقيقي لحي مصر الجديدة، كما رُوج لها، لكن الواقع أن المدينة قد كُتب عليها أن تنتظر طويلًا من يعيد إليها الحياة...
إلى أن بدأت قصة مختلفة تمامًا خلال السنوات الأخيرة.
قبل ثلاثة أعوام فقط، لم يكن اسم هليوبوليس الجديدة يثير لدى كثيرين سوى مشاعر القلق والحيرة، وكانت مدينة تمتلك كل مقومات النجاح على الورق، لكنها لم تكن قد ترجمت تلك المقومات إلى واقع يلمسه السكان أو المستثمرون، وكان من يملك وحدة سكنية فيها يبحث عن مشترٍ بأي ثمن، لا رغبة في تحقيق ربح، بل رغبة في التخلص من عبء ظن أنه لن يحمل له سوى الخسارة، وكانت الأسعار تتراجع، والثقة تهتز، والإحباط يسيطر على الجميع. حتى إن المدينة اكتسبت بين الناس وصفًا مؤلمًا: "مدينة الأشباح".
لم يكن ذلك بسبب موقعها، فهي تقع في موقع مميز ومنافس للغاية، ولا بسبب تخطيطها العمراني، بل لأن الخدمات الأساسية كانت تمثل تحديًا يوميًا، لكن المدن لا تُقاس بما كانت عليه، وإنما بما تستطيع أن تصبح عليه.
واليوم، حدثت معجزة بلا شك، حين تتجول في هليوبوليس الجديدة، تشعر وكأنك في مدينة أخرى تمامًا. مدينة تنبض بالحياة، وتتغير ملامحها يومًا بعد يوم، وتستقبل استثمارات جديدة، وتزداد كثافتها السكانية، وترتفع قيمة أصولها بصورة مستمرة.
أصبحت للمدينة محطة المياه الخاصة بها، وتعززت منظومة الكهرباء، وأصبح للمدينة محطة كهرباء تغذيها، وشركة توزيع للكهرباء خاصة بها، وتحسنت شبكات المرافق، وتطورت الخدمات والاتصالات، وبدأت وسائل النقل المتميزة في ربطها بالمناطق المحيطة، وأصبحت أكثر جاهزية لاستقبال آلاف الأسر والمستثمرين.
والأهم من كل ذلك، أن ما تغير لم يكن الخرسانة فقط، بل حالة الثقة، وأمس، كان من يريد البيع يسابق الزمن قبل أن تنخفض الأسعار أكثر، أما اليوم، فكثير ممن فكروا في البيع تراجعوا، ومن قرر البيع أصبح ينتظر، لأن كل يوم يمر على المدينة يحمل قيمة سوقية جديدة، وكل مرحلة إنجاز تفتح بابًا جديدًا لارتفاع الأسعار.
لقد تحولت هليوبوليس الجديدة من مدينة يخشى الناس الاستثمار فيها، إلى مدينة يخشى ملاكها التفريط فيما يملكون.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه التجربة أن هذا المشروع لا تقوده شركة تطوير عقاري خاصة، وإنما تقوده شركة وطنية عريقة، هي شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، التي أثبتت أن المؤسسات الوطنية تستطيع أن تنافس، وأن تنجح، وأن تحقق للدولة عائدًا اقتصاديًا حقيقيًا متى توافرت لها الإدارة القادرة والرؤية الواضحة.
وراء كل هذا التحول تقف قيادة تنفيذية وطنية آمنت بأن الاستثمار العقاري لا يبدأ بالإعلانات، وإنما يبدأ ببناء الثقة، والثقة لا تُشترى، بل تُبنى بالإنجاز.
وهذا ما حدث في هليوبوليس الجديدة، وأدركت بأن المدن لا تُدار بالوعود، وإنما بالعمل اليومي المتواصل، وقد كان للدكتور المهندس سامح السيد العضو المنتدب والرئيس التنفيذي للشركة دور واضح في إدارة هذه المرحلة منذ ما يقرب من ثلاث سنوات، عبر رؤية اعتمدت على استكمال البنية الأساسية، وتسريع معدلات التنفيذ، واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين في المشروع.
وكان من الواضح أن هذا القيادي الوطني البارز ذو خبرة غير مسبوقة، وأنه فيما يبدو قد بدأ يخطو خطوات واثقة في نفس الطريق الذي خطاه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
