كتب د. رلى الحروب
ليست كل الهزائم عسكرية، فبعض الهزائم تُوقَّع بالحبر لا بالدم، وتُمرَّر تحت عناوين براقة مثل "السلام و الأمن و الاستقرار ، بينما تخفي في طياتها أكبر عملية تفكيك لسيادة الدولة وتجريدها من عناصر قوتها. وهذا بالضبط ما يمثله ما يسمى "اتفاق الإطار بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان. إنه ليس اتفاقًا لحماية لبنان، بل وثيقة لإعادة تشكيل لبنان وفق رؤية أمنية أمريكية إسرائيلية، يصبح فيها أمن إسرائيل هو نقطة الانطلاق، بينما تتحول الدولة اللبنانية إلى أداة لتنفيذ التزامات أمنية وسياسية لا تقابلها أي التزامات حقيقية على الطرف الآخر. لقد قيل للبنانيين إن الاتفاق سيجلب السلام، ولكن أي سلام هذا الذي يبدأ بحرمان دولة من أهم أوراقها السياسية والقانونية والعسكرية قبل أن تستعيد أرضها أو حقوقها؟
1. لقد وقعت الحكومة على أهم بنود اتفاق السلام قبل أن تبدأ مفاوضات السلام يكفي أن يقرأ اللبنانيون ديباجة الاتفاق وبنده الأول ليدركوا حجم ما جرى. فالوثيقة لا تتحدث عن وقف إطلاق نار فحسب، بل تؤكد أن حكومة إسرائيل وحكومة لبنان تسعيان إلى تحقيق سلام دائم، وتعلنان طموحهما إلى إنهاء النزاع بينهما، وتؤكدان حق كل دولة في الوجود بسلام، ورغبتهما في العيش كدولتين جارتين ذواتي سيادة، وتعلنان عزمهما على إنهاء حالة الحرب رسميًا، ومعالجة جميع القضايا عبر مفاوضات ثنائية مباشرة بين دولتين ذواتي سيادة. إذا كان هذا ليس الجوهر السياسي لاتفاق سلام، فماذا يكون؟ والأخطر أن كل ذلك ورد دون كلمة واحدة عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، أو عن الجولان السوري المحتل، أو عن مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وباقي الاراضي اللبنانية المحتلة، ودون أي التزام إسرائيلي حقيقي بإنهاء الاحتلال أو تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. في المقابل، تم الاكتفاء بكلمات غامضة حول انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية المحتلة، دون تعريف تلك الأراضي وتحديدها، وفقط إن نجح الجيش اللبناني في مهمته في السيطرة على المناطق التجريبية تباعا ونزع سلاح المقاومة وإنهاء أي خطر أمني يهدد إسرائيل. وتقدير هذا النجاح مرهون بقرار إسرائيلي- أمريكي! لقد اختفى الاحتلال من النص، وبقي أمن إسرائيل وحده حاضرًا. وهنا يحق لكل لبناني أن يسأل:
إذا كانت الحكومة قد منحت إسرائيل عمليًا أهم ما كانت تطالب به سياسيًا قبل أي تسوية نهائية، فما الذي بقي أصلًا ليفاوض عليه لبنان في اتفاق سلام مستقبلي؟ لقد سقطت أهم ورقة تفاوضية من يد الدولة قبل أن تبدأ المفاوضات الحقيقية.
2. سيادة منقوصة واحتلال يتمتع بشرعية جديدة لا يكتفي الاتفاق بتجريد لبنان من أدوات الردع، بل يمنح إسرائيل، عمليًا، قدرة مستمرة على استخدام القوة تحت عنوان "الدفاع عن النفس ، لا سيما في البند السابع بينما يتحمل لبنان وحده عبء تنفيذ الالتزامات الأمنية. وبذلك يتحول الاتفاق من وسيلة لإنهاء الحرب إلى إطار ينظم استمرارها وفق الشروط الإسرائيلية. أي اتفاق هذا الذي يمنح طرفًا حق إطلاق النار متى شاء، ووفق تقديره لوجود التهديد من عدمه، بينما يلزم الطرف الآخر بالصمت والتنفيذ؟ نتفهم حاجة الحكومة اللبنانية إلى الأمن، ولكن، هل سيجلب هذا الاتفاق الأمن إلى لبنان حقا؟!!!
3. لبنان يفقد حقوقه السيادية وأدواته القانونية أيضًا ولم يتوقف الأمر عند السلاح. فالقراءة المتأنية لبنود الاتفاق لا سيما البند الثالث عشر تشير إلى منع الدولة اللبنانية من استخدام أدواتها القانونية والدبلوماسية الدولية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، ومنعها من اتخاذ اي اجراءات سلبية او عدائية ضد اسرائيل في المحافل السياسية وامام القضاء الدولي في الوقت الذي يحتفظ فيه الطرف الآخر بكل وسائل الضغط العسكرية والسياسية. وهكذا لا يُجرد لبنان من السلاح فقط، بل من حقوقه السيادية والقانونية أيضًا. وتذهب دماء الشهداء هدرا وتدمير الجنوب وقصف الضاحية وصور وصيدا هدرا، فالحكومة قد تعهدت في هذا الاتفاق (بالاستدلال الضمني من عبارة النص) بعدم ملاحقة مجرمي الحرب الذين قتلوا وجرحوا ما يقرب من ثلاثين الف لبناني منذ الثامن من اكتوبر ٢٠٢٣ وحده، دونما عد لضحايا ما سبقه من اعتداءات!!
4. من سيدفع ثمن البند الحادي عشر؟ من أخطر بنود الاتفاق البند الحادي عشر، الذي يلزم لبنان والولايات المتحدة بمنع تدفق الأموال إلى أي فرد أو جهة ترتبط بالجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، مع منع وصول أموال إعادة الإعمار إليها. لكن السؤال الذي لم يجب عنه أحد هو:
من المقصود عمليًا بهذا النص؟ هل المقصود تنظيم مسارات التمويل غير المشروع فقط؟ أم أن التطبيق الواسع سيشمل البيئة الاجتماعية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
