حين تُكرَّم الدكتورةُ هند صالح باغفار، فإنَّنا لا نحتفي باسم ثقافيٍّ عابرٍ، بل نحتفي بذاكرةٍ وطنيَّةٍ كاملةٍ، وبامرأةٍ جعلت من التراث مشروعَ عُمرٍ، ومن الحكاية الشعبيَّة وثيقةً، ومن الحرفة القديمة شاهدًا على حياة النَّاس، وملامح المكان. فالتَّكريمُ الذي حظيت به مؤخَّرًا على مسرح جمعيَّة الثقافة والفنون بجدَّة، من جمعيَّة التراث غير الماديِّ، ليس مجرَّد مناسبة بروتوكوليَّة، بل هو اعترافٌ مُستحقٌّ بمسيرة طويلة في خدمة الثقافة الشعبيَّة، والتراث السعوديِّ.
هند باغفار -مع حفظ الألقاب- ليست باحثةً في التراث فحسب، بل هي شاهدةٌ على تحوُّلات المجتمع، وواحدة من الرَّائدات اللواتي جمعن بين الصحافة والأدب والفن والتوثيق. بدأت علاقتها بالكلمة مبكِّرًا، واشتغلت في الصَّحافة النسائيَّة، وكتبتْ وألَّفتْ وحاضرَتْ، لكنَّها وجدتْ في التراث مجالًا أوسعَ من الكتابة؛ لأنَّه يمسُّ الوجدانَ والهويَّة والتَّاريخ الاجتماعي للنَّاس. فالتراث عندها ليس زينةً للمناسبات، ولا أزياء تُعرَض في الاحتفالات، بل هو ذاكرة حيَّة تحمل تفاصيل البيوت والأسواق والحارات، والأغاني والحِرف، والملابس والحلي والعادات.
ولهذا تبدُو عبارة «سيَّدة التراث، وذاكرة الوطن» ملائمةً تمامًا، لا على سبيل المجاملة، بل لأنَّها منحت التراث صوتًا ومنبرًا وكتابًا. فقد عُرفت باهتمامها الواسع بالموروث الشعبيِّ في مناطق المملكة، وبسعيها إلى جمعه وتوثيقه، قبل أنْ يطويه النسيانُ.
ومن اللَّافت في تجربتها، أنَّها لا تتعامل مع التراث من مسافة أكاديميَّة باردة، بل من محبَّة عميقة وتفاصيل معايشة؛ تحفظ أسماء الحِرف، وتستعيد صور الأسواق القديمة، وتروي عن الملابس والحلي والإيقاعات الشعبيَّة، كما لو كانت تفتح ألبومًا عائليًّا لوطن بأكمله.
ومن أعمالها التي تضيءُ هذا المسار كتاب: «الحلي والملابس الشعبيَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة»، وهو عملٌ يكشفُ كيف يمكن لقطعة قماش، أو حلي فضيَّة، أو نقش مطرَّز أنْ يختزن تاريخًا اجتماعيًّا وجماليًّا كاملًا. فالأزياء الشعبيَّة ليست مجرَّد ثياب، بل لغة للمكان، وعلامة على البيئة، وصورة من صور الذَّوق المجتمعيِّ. كذلك الحلي ليست زينةً صامتةً، بل جزءٌ من ذاكرة المرأة، ومن طقوس الفرح، ومن تاريخ الحِرفة، واليد التي صنعتها. وفي مثل هذه الأعمال يتحوَّل التوثيقُ إلى فعل إنقاذ، إنقاذ لما كان يمكن أنْ يتبدَّد في الذاكرة الشفويَّة، أو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المدينة
