اقتصاد الانحطاط: عندما تكذب الأرقام وتقول المدينة الحقيقة

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -

كتبت هذا المقال حينما كانت نفسي تذوق مرارة الألم الناتج عما أراه يومياً من تردي الفكر والسلوك، عند كثيرٍ من الناس. فهناك أكاذيب يمكن كشفها بالتدقيق، وأخرى يفضحها الزمن، إلا أن أكثرها هشاشة تلك التي تكذبها المدينة نفسها. فالمدن لا تعرف الخطابة، ولا تجيد صناعة الشعارات، ولا تتقن فن العلاقات العامة. إنها تتحدث بلغة مختلفة؛ لغة الشوارع، والأرصفة، والوجوه، والروائح، والضجيج، وحركة الناس. ولذلك، فإن من أراد أن يعرف حقيقة اقتصاد دولة، فلا يبدأ بقراءة نشرات النمو، ولا بمتابعة المؤتمرات الصحفية، ولا بقراءة مقالات الكُتاب، بل يخرج إلى الشارع، وليدع المدينة تتحدث. فالاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بما تقوله الحكومات عن نفسها، بل بما تقوله الحياة اليومية عنها. وفي المدينة التي تتحدث صباح مساء عن الرفاء، تجوب الشوارع سيارات تحمل مكبرات صوت تصرخ في أذن الناس، معلنة استعدادها لشراء الأثاث المستعمل. وما كان يوماً تجارة هامشية، أصبح اليوم جزءاً من المشهد الحضري، حتى خُيل للمرء أن البيوت لم تعد تقتني الأثاث، بل تبيعه قطعة بعد أخرى، وكأن الأسرة لم تعد تبني حياتها، وإنما تُقسط خسائرها، وتؤجل انهيارها، وتستهلك ماضيها لتستطيع شراء حاضرها. وبينما تمضي تلك السيارات في رحلتها، تتحرك في الاتجاه الآخر عربات أخرى لا تبحث عن مشترين، بل عن القمامة. رجال ونساء ينقبون في الحاويات كما ينقب علماء الآثار في المدن القديمة، غير أنهم لا يبحثون عن التاريخ، بل عن لقمة العيش. يفرزون البلاستيك، ويجمعون المعادن، ويستخرجون من النفايات ما عجز الاقتصاد عن أن يوفره لهم بكرامة. والمأساة ليست في إعادة التدوير؛ فإعادة التدوير عنوان للتقدم حين تكون صناعة متطورة، لكنها تصبح عنواناً للفشل حين تتحول حاوية القمامة إلى سوق عمل، ويغدو رزق الإنسان مدفوناً بين مخلفات الآخرين.

ثم تصل إلى أول إشارة ضوئية، فإذا بالإشارة لم تعد تنظّم المرور، بل تنظّم الفقر. أطفال يطرقون النوافذ، وشيوخ يرفعون الأكف، ونساء يحملن الرضع طلباً للصدقة، وشباب في عمر الإنتاج يقفون على الإسفلت ينتظرون إحسان المارة. وهنا لا يعود السؤال لماذا يتسول هؤلاء؟ بل يصبح السؤال الحقيقي أي اقتصاد هذا الذي جعل الإشارة الضوئية مكتب تشغيل للفقراء؟ وفي الأثناء، تمر حافلات المدارس الخاصة، لا تحمل معها رسالة التعليم بقدر ما تحمل رسالة الضجيج. زوامير متواصلة، وفوضى مرورية، وصخب يطغى على الشارع حتى يُخيل للإنسان أن الضوضاء أصبحت اللغة الرسمية للمدينة. والمفارقة أن المؤسسة التي يُفترض أن تُعلّم الذوق والانضباط، أصبحت في كثير من الأحيان شريكاً في تكريس الفوضى. ثم تهب الرياح، فتؤدي دوراً لم يُكتب لها. تحمل أكياس البلاستيك، وتنثرها فوق الأرصفة والأشجار والطرقات، فتبدو المدينة كأنها فقدت قدرتها على احتواء نفاياتها، كما فقدت قبل ذلك قدرتها على احتواء كثير من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 3 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 8 ساعات
خبرني منذ 6 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 9 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 4 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 5 ساعات
خبرني منذ 14 ساعة