كفاح محمود. تضليل الرأي العام ليس إلا سرقةً لوعي المجتمع، وهي أخطر من سرقة الخزائن؛ لأنها تسلب الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. لكن الخطأ الأكبر أن يُختزل الفساد في الحكومات وحدها، فالسلطة قد تفتح أبواب الفساد أو تُوصدها، لكنها لا تصنع وحدها ثقافةً تتسامح معه. لقراءة المقال أو الاستماع إليه

ليست أخطر المجتمعات تلك التي يكثر فيها اللصوص، فالجريمة رافقتِ الإنسانَ منذ فجر التاريخ ولم تخلُ منها حضارةٌ أو دولة، إنّما يبدأ الخطرُ الحقيقي حين تتبدّل نظرة المجتمع إلى السَّرقة نفسها؛ فلا تعود فعلاً مشيناً يلاحق صاحبه بالعار، بل تتحوّل تدريجياً إلى سلوكٍ يُبرَّر أو يُتغاضى عنه، أو يُعجَب بمن يمارسه إذا أوصله إلى الثروة والنفوذ، عندئذٍ تخرج السرقة من دائرة القضاء الجنائي لتدخل نسيج الثقافة الاجتماعية، فتعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، والثقافات لا تُقاس بما تنصّ عليه القوانين، بل بما يكافئه المجتمع وما يعاقب عليه أخلاقياً؛ فإذا صار الإنسان يُقاس بما يملك لا بكيفية حصوله عليه، واختفى السؤال عن مصدر الثروة، بدأت منظومة القيم تتآكل بصمت، وحين تُقدَّم الغنيمة على النزاهة ويصير الثراء السريع معياراً للنجاح، تكون السرقة قد تجاوزت حدود الجريمة لتصبح معياراً جديداً للتفوّق الاجتماعي.

ومن هنا تتّسع دائرة السرقة إلى ما هو أبعد من المال؛ فهناك من يسرق المال العام، ومن يسرق الوظيفة بالمحسوبية، ومن يسرق الفرص بالواسطة، ومن يزوّر الشهادات أو ينتحل جهد غيره، ومن يبدّد ما خُصِّص للمشاريع العامة، أو يشتري الذمم ويزيّف الحقائق، بل إنّ تضليل الرأي العام ليس إلا سرقةً لوعي المجتمع، وهي أخطر من سرقة الخزائن؛ لأنها تسلب الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم. لكنّ الخطأ الأكبر أن يُختزل الفساد في الحكومات وحدها، فالسلطة قد تفتح أبواب الفساد أو تُوصدها، لكنها لا تصنع وحدها ثقافةً تتسامح معه؛ إذ يصبح المجتمع شريكاً حين يحتفي بمن جمع ثروته بطرقٍ مشبوهة ويمنحه المكانة والاحترام، وحين يغفر للفاسد لأنه من عشيرته أو حزبه أو طائفته أو قوميته، بينما يُدين الفعل نفسه إذا صدر عن خصمه، عندها لا يعود معيار الحكم هو الجريمة بل هويّة مرتكبها، وتفقد العدالة معناها، ويغدو الانتماء أقوى من الضمير. وحين يبلغ التطبيع مع السرقة هذا الحدّ، تتبدّل طبيعة الدولة نفسها؛ فتتحوّل من إطارٍ لإدارة الموارد وتحقيق العدالة إلى ساحةٍ يتنافس فيها الجميع على اقتسام الغنيمة، ويولد ما يمكن تسميته اقتصاد الولاء، حيث لا تُوزَّع المناصب والعقود والمكاسب وفق الكفاءة والاستحقاق، بل وفق القرب من مراكز النفوذ، وفي مثل هذه البيئة يصير الفساد بنيةً لا حادثة، ونظاماً لتوزيع المغانم لا خللاً عابراً في الإدارة؛ فيتراجع المنتِج أمام الوسيط، والعالِم أمام صاحب الحظوة، ويهاجر أصحاب الكفاءة أو ينسحبون في صمت؛ لأنّ السوق الأخلاقية أفلست قبل أن تُفلس الخزينة، وكلّما اتّسعت رقعة الغنيمة ضاقت رقعة الدولة، حتى تصير المؤسسات واجهةً شكلية لتوازنات المصالح، ويحلّ الولاء للجماعة الضيقة محلّ الولاء للوطن، فتغدو الدولة هشّةً من الداخل، مكشوفةً أمام كل من يريد شراء.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الشرق الأوسط

منذ 8 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 17 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 16 ساعة
سكاي نيوز عربية منذ 12 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 11 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 9 ساعات