إنشاء مركز للتحكيم بالأردن.. تعزيز للاستثمار ولتنافسية الاقتصاد الوطني

سماح بيبرس عمان لم يكن غياب مركز تحكيم إقليمي أو دولي بالأردن طوال العقود الماضية مجرد مطلب يطالب به القانونيون، بل بقي يمثل أحد أبرز التساؤلات المرتبطة ببيئة الاستثمار بالمملكة، في وقت نجحت فيه دول عربية بترسيخ مكانتها كمراكز إقليمية لفض المنازعات التجارية والاستثمارية عبر مؤسسات تحكيم متخصصة، تستقطب مئات القضايا سنويا وتوفر للمستثمرين بديلا سريعا ومرنا عن إجراءات التقاضي التقليدية.

ورغم ما يتمتع به الأردن من خبرات قانونية ومحكمين يحظون بسمعة مهنية جيدة على المستويين العربي والدولي، بقيت المنازعات التي يكون أحد أطرافها مستثمرا أجنبيا أو شركة دولية تتجه بكثير من الأحيان إلى مراكز تحكيم خارج المملكة، كمركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، أو في دبي وبيروت، أو لدول مجلس التعاون الخليجي بالبحرين، ما حرم الأردن لسنوات من الاستفادة من سوق قانونية واقتصادية متنامية، أصبحت تشكل أحد عناصر التنافس بين الدول في جذب الاستثمارات.

ويأتي مشروع القانون المعدل لقانون التحكيم لسنة 2026 ليعالج هذه الفجوة، عبر إنشاء "مركز التحكيم الأردني"، الذي يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، في خطوة يرى قانونيون أنها لا تقتصر على إنشاء مؤسسة جديدة، وإنما تمثل تحولاً بالنظرة إلى التحكيم باعتباره أحد المرتكزات الأساسية لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ويؤكد مختصون أن المستثمر لا يبحث فقط عن الحوافز الضريبية أو التسهيلات الإدارية عند اتخاذ قرار الاستثمار، وإنما ينظر أيضا لكفاءة المنظومة القانونية، ومدى قدرتها على حسم النزاعات بسرعة واستقلالية وحياد، ما جعل التحكيم خلال العقود الأخيرة أحد المؤشرات الرئيسة التي تعتمدها الشركات العالمية عند تقييم بيئة الاستثمار بأي دولة.

وفي الأردن، يأتي المشروع في سياق توجه أوسع لتحديث التشريعات الاقتصادية والعدلية، بما ينسجم مع رؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع تحسين بيئة الأعمال وتعزيز ثقة المستثمرين في مقدمة أولوياتها، إذ يراهن المشروع على أن يسهم المركز الجديد في استقطاب المنازعات التجارية والاستثمارية، وتوفير إطار مؤسسي متخصص لإدارتها وفق قواعد حديثة تتوافق مع أفضل الممارسات الدولية.

لكن، وعلى الرغم من الترحيب الواسع بفكرة إنشاء المركز، يرى قانونيون أن نجاح التجربة لن يتحقق بمجرد صدور القانون، وإنما سيتوقف على التفاصيل التي ستنظم عمل المركز، وفي مقدمتها معايير اختيار القائمين عليه، واستقلاليته، ومدى التزامه بمبادئ الحوكمة والشفافية، إضافة إلى قدرته على استقطاب محكمين يتمتعون بخبرة دولية، وبناء قواعد إجرائية تمنح المتقاضين الثقة بأن الأردن بات قادراً على منافسة مراكز التحكيم الإقليمية التي سبقت في هذا المجال.

ومن هنا، ينظر مختصون لمشروع القانون باعتباره بداية مرحلة جديدة أكثر من كونه نهاية لمسار تشريعي، إذ إن القيمة الحقيقية للمركز لن تقاس بعدد مواده القانونية، وإنما بقدرته على بناء سمعة مهنية قائمة على الاستقلال والحياد والكفاءة، وهي العناصر التي تحدد في نهاية المطاف ما إذا كان الأردن سيصبح بالفعل وجهة إقليمية للتحكيم التجاري، أم سيظل المركز مؤسسة وطنية تقتصر خدماتها على المنازعات المحلية.

دعم جهود الاستثمار

ويرى القاضي السابق ومستشار ديوان الرأي والتشريع د.محمود العبابنة، أن مشروع القانون جاء ليجيب عن سؤال ظل مطروحاً لسنوات في الأوساط القانونية، يتمثل بأسباب غياب مركز تحكيم إقليمي أو دولي في الأردن، رغم ما تمتلكه المملكة من خبرات قانونية ومحكمين يحظون بسمعة متميزة في المحافل العربية والدولية.

ويقول، إن إنشاء المركز يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لأنه سيدعم جهود تشجيع الاستثمار، ويعزز ثقافة اللجوء إلى الوسائل البديلة لفض المنازعات، وعلى رأسها التحكيم، ويخفف العبء عن المحاكم النظامية، التي قد تستغرق وقتاً أطول للفصل بالقضايا التجارية والاستثمارية، ما لا يتوافق مع متطلبات المستثمرين، ولا سيما الأجانب منهم، الذين يضعون سرعة حسم النزاعات واستقرار البيئة القانونية ضمن أهم معايير اتخاذ القرار الاستثماري.

ويضيف، إن القراءة الأولية لمشروع القانون تعكس حرصاً واضحاً على بناء إطار مؤسسي متطور لإدارة التحكيم، إذ جاءت النصوص بصورة عامة شاملة، واستوعبت كثيراً من التطورات التي شهدها التحكيم التجاري الدولي خلال السنوات الأخيرة، إلا أن ذلك لا يمنع برأيه من إعادة النظر في بعض التفاصيل التي سيكون لها أثر مباشر في نجاح المركز وسمعته مستقبلاً.

وعرض لأبرز هذه الملاحظات تتعلق بطريقة تشكيل مجلس الأمناء، باعتباره الجهة التي ستتولى رسم السياسة العامة للمركز والإشراف على عمله، موضحاً أن مشروع القانون نص على أن يتكون المجلس من رئيس وثمانية أعضاء من ذوي الخبرة القانونية والتجارية والتحكيمية، إلا أنه لم يحدد بصورة دقيقة المقصود بهذه الخبرة أو الحد الأدنى لها.

ويقول، إن الاكتفاء بالنص على أن يكون أعضاء المجلس من ذوي الخبرة القانونية والتجارية والتحكيمية قد لا يكون كافياً، لأن هذا الوصف فضفاض ويمكن أن ينطبق على عدد كبير من الأشخاص، دون وجود معايير موضوعية لقياس الكفاءة، مثل سنوات الخبرة، أو المؤهل الأكاديمي، أو التخصص، أو الخبرة العملية في إدارة قضايا التحكيم المحلية والدولية.

ويلفت إلى أن المشروع لم يتطرق إلى تحديد العمر المهني أو الطبيعي لأعضاء المجلس، وهو أمر قد يكون من المناسب تنظيمه، إلى جانب وضع شروط أكثر وضوحاً لاختيار الشخصيات التي ستتولى إدارة المركز في مراحله الأولى، باعتبار أن نجاح أي مؤسسة جديدة يرتبط إلى حد كبير بالأشخاص الذين يقودونها.

ويؤكد، "لا أعتقد أن أسماء مجلس الأمناء قد حددت سلفاً"، معرباً عن اعتقاده بأن المجلس سيكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافه إذا ضم، إلى جانب الخبرات الأردنية، محكمين معروفين على المستوى الدولي من خارج المملكة، بما يعزز ثقة المستثمرين والمتعاملين بالمركز منذ انطلاقه، ويمنحه بعداً إقليمياً ودولياً.

ولا تتوقف ملاحظات العبابنة عند معايير اختيار أعضاء المجلس، بل تمتد لضرورة تعزيز الضمانات المتعلقة بالحوكمة والحياد، إذ يرى أن نجاح أي مركز تحكيم يعتمد بالدرجة الأولى على استقلاليته وثقة الأطراف بنزاهة إجراءاته.

ودعا للنص بصورة أوضح على عدم جواز تعيين أي عضو في مجلس الأمناء محكماً من قبل أحد أطراف النزاع، إلا إذا وافق الطرفان على ذلك، بما يمنع أي شبهة قد تمس حياد العملية التحكيمية أو تؤثر في الثقة بالمركز.

وتابع، "يجب التشديد في مسألة عدم تضارب المصالح بين أعضاء مجلس الأمناء والأطراف المحتكمة"، مؤكداً أن مدونات السلوك يجب أن تتضمن قواعد واضحة تنظم علاقة المحكمين بالأطراف، وآليات الإفصاح عن أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة، لأن أساس التحكيم يقوم على الحياد والشفافية والاستقلال، وهي المبادئ التي ستشكل الانطباع العام عن التحكيم في الأردن وسمعة المركز المنتظر.

ويرى أن نجاح هذه الخطوة الرائدة لن يقاس بمجرد صدور القانون، وإنما بمدى نجاح النظام الأساسي للمركز، الذي سيكون من اختصاص مجلس الأمناء، في وضع قواعد إدارية وإجرائية حديثة تواكب أفضل الممارسات الدولية، وتمنح المستثمرين الثقة بفعالية واستقلالية المؤسسة الجديدة.

ومقابل هذه الملاحظات، يرى العبابنة، إن مشروع القانون يتضمن عدداً من الأحكام المتقدمة التي تعكس مواكبة واضحة للتطورات التي شهدها التحكيم التجاري الدولي خلال السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أن نجاح أي مركز تحكيم لا يقوم فقط على وجود إطار قانوني ينظم عمله، وإنما على تبني أدوات وإجراءات حديثة تمنحه القدرة على منافسة المراكز الإقليمية والدولية.

ويشير.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 11 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
موقع الوكيل الإخباري منذ 5 ساعات
خبرني منذ 15 ساعة
خبرني منذ 7 ساعات
قناة رؤيا منذ 15 ساعة
قناة رؤيا منذ 9 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 10 ساعات