الدولة التي تسبق الأزمات. مقال ليث القهيوي

لم تعد الدول تُختبر في لحظة الأزمة، بل في السنوات التي سبقتها. فالأزمات الكبرى لا تبدأ يوم إعلانها، وإنما تبدأ يوم تُهمل إشاراتها الأولى، ويُؤجل القرار المناسب، وتُستبدل القراءة المبكرة بردود الأفعال. لذلك، لم يعد معيار قوة الدولة قدرتها على إدارة الأزمات، بل قدرتها على منع كثير منها قبل أن تولد. وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد التفوق يقاس بحجم الموارد أو الموقع الجغرافي، وإنما بقدرة المؤسسات على استشعار المخاطر، وقراءة التحولات، واتخاذ القرار قبل أن يصبح الخيار الوحيد هو إدارة الأزمة.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن تكلفة الاستباق أقل بكثير من تكلفة الاستجابة. فكل أزمة تصل إلى مرحلة الانفجار تعني أن إشاراتها المبكرة كانت موجودة، لكن أحداً لم يلتقطها، أو التقطها ولم تتحول إلى قرار. ولذلك لم يعد السؤال المطروح على الحكومات الحديثة: كيف ندير الأزمة؟ بل أصبح: لماذا وصلنا إليها أساساً؟

وفي الحالة الأردنية، تبدو هذه المعادلة أكثر حساسية من أي وقت مضى. فالتحديات التي شهدتها المرحلة الأخيرة، وما رافقها من نقاشات واسعة حول كفاءة الأداء العام، وحوكمة القرار، والمساءلة، وتغير القيادات التنفيذية، ليست مجرد أحداث منفصلة، بل مؤشرات تستحق أن تُقرأ بوصفها فرصة لإعادة تقييم قدرة المنظومة المؤسسية على الاكتشاف المبكر للمخاطر. فالدول لا تقاس بقدرتها على معالجة الإخفاق بعد وقوعه، بل بقدرتها على بناء مؤسسات تجعل احتمالية وقوعه أقل. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالسؤال: من أخطأ؟ بل بالسؤال الأهم: كيف سمحت المنظومة بحدوث الخطأ؟

ففي الدول التي تعمل بكفاءة، لا تُختزل المسؤولية في شخص، ولا يُختزل الإصلاح في تغيير موقع أو منصب، لأن المؤسسة الناضجة لا تبحث عن مسؤول جديد كلما ظهرت أزمة، بل تبحث أولًا عن الخلل الذي سمح للأزمة أن تتشكل.

فالدولة الواثقة من مؤسساتها لا تخشى المراجعة، ولا تعتبر كشف الخلل انتقاصا من هيبتها، لأن هيبة الدولة لا تُبنى بإخفاء الأخطاء، بل بقدرتها على اكتشافها وتصحيحها قبل أن يفعل ذلك الواقع أو الرأي العام.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس وقوع الخطأ، بل الاعتياد على معالجته بعد وقوعه. فالإدارة التي تنشغل بإطفاء الحرائق تستهلك معظم طاقتها في التعامل مع نتائج المشكلات، بينما تفقد الوقت اللازم لمنعها من الأساس. ومع تزايد سرعة التحولات العالمية، أصبحت دورة الأزمات أقصر، وأثرها أوسع، والوقت المتاح لاتخاذ القرار أقل من أي وقت مضى.

وتؤكد المؤشرات الوطنية حجم هذا التحدي. فالأردن يعد من أكثر دول العالم فقراً بالمياه؛ إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه المتجددة نحو 61 متراً مكعباً سنوياً، مقارنة بخط الندرة المطلقة البالغ 500 متر مكعب. كما أن معدل البطالة ما يزال يدور حول 21 %، ويستمر الدين العام عند مستويات مرتفعة تشكل ضغطًا على المالية العامة، في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الأخضر، وتغير أنماط الاستثمار والعمل على مستوى العالم. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل إشارات استراتيجية تتطلب قراءة مستقبلية، لأن التعامل معها بعد تفاقمها سيكون أكثر كلفة وتعقيداً.

غير أن المشكلة لا تكمن في نقص الخطط الوطنية. فالأردن يمتلك رؤية التحديث الاقتصادي، ومسار التحديث السياسي، وخريطة تحديث القطاع العام، وهي جميعها مشاريع إصلاحية مهمة. لكن التجارب الدولية تؤكد أن جودة الخطط وحدها لا تكفي إذا لم تتحول المؤسسات نفسها إلى مؤسسات تتعلم باستمرار، وتراجع افتراضاتها، وتختبر سياساتها قبل تنفيذها، وتبني قراراتها على تحليل السيناريوهات لا على ردود الفعل.

وهنا يكمن الفارق بين الدولة التي تدير الحاضر، والدولة التي تصنع المستقبل.

لقد نجحت دول مثل سنغافورة وفنلندا والإمارات في بناء وحدات مؤسسية متخصصة في استشراف المستقبل ورصد المخاطر وتحليل الاتجاهات العالمية بصورة مستمرة. ولم يكن هدفها التنبؤ بالمستقبل، فذلك غير ممكن، وإنما تقليل مساحة المفاجآت، ورفع جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع أكثر من احتمال في الوقت نفسه. فالمستقبل لا يُتوقع، بل يُستعد له.

غير أن جوهر الاستباق لا يكمن في إنشاء وحدات للاستشراف فحسب، بل في بناء منظومة مؤسسية للإنذار المبكر تتحول فيها البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى إجراء قبل أن تتفاقم المخاطر. فمعظم الأزمات لا تنشأ بصورة مفاجئة، بل تسبقها إشارات ضعيفة تظهر في مؤشرات الأداء، وتقارير الرقابة، وتحولات الأسواق، وحتى في اتجاهات الرأي العام. غير أن المؤسسات التي تفتقر إلى القدرة على التقاط هذه الإشارات وقراءتها وتحليلها، تجد نفسها مضطرة لإدارة نتائج الأزمة بدلاً من منعها. فالعديد من الإخفاقات التي تُفاجئ الرأي العام لا تكون في الحقيقة مفاجئة للمؤسسات، وإنما تكشف أن الإشارات كانت موجودة، لكن لم تكن هناك منظومة قادرة على تحويلها إلى قرار في الوقت المناسب. ولهذا، لم يعد الإنذار المؤسسي المبكر ترفًا إداريًا أو أداة تحليلية، بل أصبح أحد أهم مرتكزات الأمن الوطني، والحوكمة الرشيدة، واستدامة الاستقرار.

ولا تكتمل منظومة الاستباق من دون وجود ما يمكن تسميته بـ"ذاكرة الدولة". فالمؤسسات التي لا تحفظ خبراتها، ولا توثق أسباب نجاحاتها وإخفاقاتها، تبقى معرضة لتكرار الأخطاء نفسها مع تغير القيادات والمسؤولين. إن الدولة الحديثة لا تبدأ من الصفر مع كل حكومة، ولا تعيد اكتشاف المشكلات مع كل مسؤول جديد، بل تبني على معرفة تراكمية تجعل القرار أكثر نضجًا، والسياسات أكثر استقرارًا، والإصلاح أكثر استدامة. ولذلك، فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الأشخاص وحدهم، بل في بناء مؤسسات تحتفظ بالمعرفة، وتنقلها، وتطوّرها بصورة مستمرة.

ولذلك، فإن جودة القرار الاستراتيجي.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الغد الأردنية

منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 10 ساعات
خبرني منذ 8 ساعات
قناة رؤيا منذ 16 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 6 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 12 ساعة
قناة رؤيا منذ 10 ساعات
موقع الوكيل الإخباري منذ 6 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 10 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ 12 ساعة