سرايا - التأثير التحويلي للتمارين الرياضية على تقدير الذات يُعدّ من أبرز الموضوعات التي تجمع بين الصحة الجسدية والنفسية، حيث لم تعدّ الرياضة مجرد وسيلة للحفاظ على اللياقة البدنية، بل أصبحت أداة فعّالة لتعزيز الثقة بالنفس وتحسين الصورة الذاتية كما تؤكد ناتالي رفول، اختصاصية في علم النفس العيادي، من خلال هذا المقال لـ «سيدتي».
التحليل النفسي والعلوم الفيزيولوجية
تشير ناتالي رفول، اختصاصية في علم النفس العيادي، في حديثها أن «الرياضة تُدرّس تقليدياً ضمن إطار الصحة الجسدية، إلا أن تأثيرها النفسي يمتدّ إلى أبعاد عصبية ونفسية معقّدة. يعتمد هذا المقال إطاراً تكاملياً يجمع بين التحليل النفسي والعلوم الفيزيولوجية لاستكشاف تأثير الرياضة على تقدير الذات وصورة الذات والصحة النفسية. بالاستناد إلى مفاهيم فرويد حول الأنا الجسدي، ونظريات العلاقات الموضوعية، والأبحاث العصبية المتعلقة بالنواقل العصبية والهرمونات واللدونة الدماغية، يجادل المقال بأن الرياضة تعمل كمنظِّم نفسي- جسدي للذات. فمن خلال الخبرة المجسّدة، التكرار والتغذية الراجعة الداخلية، تعزّز الرياضة التحقق الذاتي، تنظّم الانفعالات وتساهم في بناء هوية أكثر تماسكاً. وتُظهر النتائج أن الرياضة تمثّل أداة فعّالة لتعزيز التكامل النفسي والصمود».
وتضيف: «غالباً ما ترتبط الرياضة باللياقة البدنية والانضباط السلوكي، إلا أن الأبحاث الحديثة تُظهر دورها العميق في الوظائف النفسية. فقد ثبت أن النشاط البدني يُحسّن المزاج، ويُخفّف من أعراض الاكتئاب والقلق، ويعزّز جودة الحياة من خلال تأثيره على كيمياء الدماغ وتنظيم العمليات الفيزيولوجية. من منظور التحليل النفسي، يمكن فهم الرياضة كمنظِّم متعدّد الأبعاد للذات، حيث تُفعّل الخبرة الجسدية، ووظائف الأنا، والديناميات العلائقية. ويتيح الجمع بين هذين المنظورين فهمًا أعمق لكيفية تأثير الرياضة على تقدير الذات وصورة الذات من خلال مسارات نفسية وبيولوجية متداخلة».
الأنا الجسدي والتجسّد الذاتي
يشير فرويد إلى أن «الأنا هو في المقام الأول أنا جسدي»، مما يبرز مركزية الجسد في التنظيم النفسي. فالجسد ليس مجرد كيان بيولوجي، بل هو مجال للاستثمار الليبيدي وللتجربة الذاتية. لدى الأفراد الذين تعرّضوا لبيئات نقدية أو صادمة، قد يتحوّل الجسد إلى موضوع للحكم أو إلى مصدر اغتراب وانفصال.
تُعيد الرياضة تفعيل الجسد كمجال للذاتية من خلال الحركة والإيقاع والإحساس. إذ تسمح هذه العملية بإعادة استثمار الطاقة النفسية في الخبرة الجسدية، مما يخفّف من الانقسام بين صورة الجسد المثالية والجسد المعيش. وبشكل تدريجي، ينتقل الفرد من تعريف ذاته عبر صورة خارجية إلى اختبار ذاته من خلال تجربة مجسّدة، مما يعزّز التكامل ويقلّل من التشتّت الداخلي.
يطرح فرويد مفهوم الأنا بوصفه متجذّراً في الخبرة الجسدية، حيث ينشأ الإحساس بالذات من خلال الجسد. وتدعم علوم الأعصاب الحديثة هذا الطرح، إذ تشير إلى أن الإدراك الداخلي يلعب دوراً أساسياً في الوعي بالذات وتنظيم الانفعالات.
تعزّز الرياضة التواصل بين الدماغ والجسد من خلال زيادة تدفّق الدم والأكسجين إلى الدماغ، مما يحسّن الوظائف الإدراكية والانفعالية ومن خلال الحركة والانخراط الحسّي، يطوّر الفرد إحساساً أكثر تكاملًا بذاته، ويقلّ شعوره بالانفصال أو الاغتراب الجسدي.
تنظيم النرجسية وتجربة الإتقان
يرتبط تقدير الذات في التحليل النفسي بتنظيم النرجسية، التي تُفهم كإحساس أساسي بالقيمة والتماسك الذاتي. وغالباً ما تنشأ الجروح النرجسية نتيجة إخفاقات علائقية مبكرة، مما يؤدي إلى شعور دائم بعدم الكفاية والاعتماد على التقدير الخارجي تؤكد الاختصاصية في علم النفس العيادي.
تستطرد: «توفّر الرياضة سياقاً لتجارب متكرّرة من الإتقان والكفاءة، تعمل كآليات لإصلاح هذه الجروح. وتتميّز هذه التجارب بأنها قائمة على الفعل والتكرار، مما يسمح للفرد باستدماج شعور بالقدرة قائم على خبرة معيشة وليس على تأكيد خارجي. ومع مرور الوقت، يسهم ذلك في الانتقال من تقدير ذات هش يعتمد على الخارج إلى إحساس أكثر استقراراً وارتكازاً داخلياً بالقيمة الذاتية. على المستوى العصبي، تؤدي هذه التجارب إلى تنشيط نظام المكافأة في الدماغ، خاصة عبر إفراز الدوبامين والسيروتونين، يعزّز الدوبامين الدافعية والسلوك الموجّه نحو الهدف، بينما يساهم السيروتونين في استقرار المزاج. وينتج عن ذلك حلقة إيجابية حيث يقود الجهد إلى مكافأة، مما يعزّز الشعور الداخلي بالقيمة والكفاءة».
التحقق الذاتي وعمليات الاستدماج
وفقاً لنظريات العلاقات الموضوعية، يعتمد تطوّر تقدير الذات على استدماج خبرات علائقية داعمة. وعندما يكون التماهي مع الآخر غير مستقر، يبقى الفرد معتمداً على الاعتراف الخارجي للحفاظ على قيمته الذاتية.
تُقدّم الرياضة حلقة داخلية جديدة، حيث يؤدي الجهد إلى إحساس جسدي، ثم إلى نتيجة ملموسة، يتبعها شعور بالرضا الداخلي. ومع التكرار، تتحّول هذه العملية إلى وظيفة داخلية شاهدة، يصبح فيها الفرد قادراً على الاعتراف بجهوده وتقديرها بنفسه. ويمثّل هذا التحوّل نحو.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
