لا يستطيع كائن من الثدييات البقاء على قيد الحياة عند درجات حرارة للجسم أقل مما يتحمله ما يعرف بـ "سنجاب الأرض القطبي"، الذي يُلهم سباته شديد البرودة العلماء لتطوير علاجات جديدة للنوبات القلبية والسكتات الدماغية وإصابات المخ.
تدرك أنثى سنجاب الأرض القطبي، في أغسطس من كل عام، مع اقتراب نهاية فصل الصيف وقلة ساعات النهار، أن الوقت حان لتكوين مخزون من الدهون، لذا يجوب هذا الحيوان الصغير، ذو اللون النحاسي، سهول التندرا بحثاً عن أي غذاء يمكنه العثور عليه، من أعشاب ونباتات وأوراق، حتى يعود إلى جُحره ليدخل في سبات شتوي عميق، وعلى عمق نحو متر تحت سطح الأرض، تتباطأ وظائف جسمه للغاية، ومع اقتصار التنفس ونبض القلب على بضع مرات في الدقيقة، يسهل اعتباره ميتاً.
وفي ظل تجمد الأرض فوقه تماماً وبلوغ درجة حرارتها 20 درجة مئوية تحت الصفر، تنخفض درجة حرارة جسمه هبوطاً حاداً، والغريب أن حرارة الدماغ تنخفض إلى صفر درجة مئوية، بينما تصل درجة حرارة البطن إلى درجتين مئويتين تحت الصفر، وتنخفض حرارة الأطراف الخلفية إلى 2.9 درجة مئوية تحت الصفر، وهي أدنى درجة حرارة سُجِّل بقاء أي ثديي على قيد الحياة عندها.
ويظل سنجاب الأرض القطبي على هذه الحالة ثمانية أشهر من دون غذاء أو ماء، ولا يفيق إلا على فترات متباعدة، إلى أن ترتفع درجة حرارة الأرض ويعود إلى الحياة فوق سطحها.
وكحال العديد من الثدييات التي تعيش في الأجواء الشمالية، ينجو سنجاب الأرض القطبي من برودة الشتاء القاسية في كندا وألاسكا وسيبيريا عن طريق الدخول في حالة سبات، ويتميز بطول المدة التي يقضيها في هذه الحالة، كما ينفرد بقدرته على البقاء عند درجات حرارة جسم شديدة الانخفاض.
هذه الخصائص الفريدة جعلت سنجاب الأرض القطبي، موضوعاً مفضلاً للدراسة لدى العلماء الساعين إلى فهم الأسس البيولوجية التي تجعل السبات ممكناً، ليس بدافع الفضول العلمي فحسب، بل على أمل الاستفادة من هذه المعرفة مستقبلاً وتطبيقها على البشر.
وقد تساعد القدرة على إبطاء عملية التمثيل الغذائي لدى الإنسان الأطباء في كسب مزيد من الوقت في علاج الحالات الحرجة، مثل: النوبات القلبية والسكتات الدماغية وإصابات المخ، كما قد تتيح تبريداً وقائياً يحافظ على الأعضاء الحيوية، وقد تمهد هذه الأبحاث السبيل، مستقبلاً، إلى إدخال رواد الفضاء في حالات من التعليق الحيوي، على نحو يساعدهم على اجتياز رحلات الفضاء الطويلة.
ولا تزال هذه الأبحاث في بداياتها، لكنها تُظهر بالفعل كيف يمكن لدراسة أكثر الحيوانات قدرة على البقاء في أصعب الظروف أن تسهم في الكشف عن استراتيجيات جديدة لتعزيز صحة الإنسان.
ويقول كوري ويليامز، عالم البيئة الفسيولوجية في جامعة ولاية كولورادو: "فسيولوجيتها مختلفة اختلافاً كبيراً، وفي ذات الوقت، يمكن إدراك أنه إذا أمكن الاستفادة من هذه الميزة وتطبيقها على البشر، فقد تكون لها فوائد عملية حقيقية".
ويُجري العلماء في جامعة ألاسكا فيربانكس دراسات على سناجب الأرض القطبية منذ ما يزيد على خمسين عاماً، ويبدو أن هذه القوارض لديها ساعة بيولوجية داخلية تُحدد لها، إلى جانب التغيّر في طول فترة النهار، موعد الدخول في السبات، إذ يحدث ذلك لدى الإناث في حدود شهر أغسطس/آب، في حين يبدأ لدى الذكور لاحقاً خلال بضعة أشهر.
بعد ذلك، ينقل العاملون السناجب من أماكن إيوائها إلى غرفة تبريد مظلمة تحاكي الظروف السائدة داخل جحور سباتها الطبيعية، وترقد الحيوانات في حالة تكوّر داخل أقفاص بلاستيكية فوق طبقة من القطن أو نشارة خشب.
وتقول سارة رايس، الباحثة المتخصصة في دراسة السبات بجامعة ألاسكا فيربانكس، إنه في بعض الدراسات يحمل العاملون في البداية الحيوانات واحتضانها لتعتاد على التعامل معها، فلا تستفيق عندما يجري العلماء سحب عينات الدم وإجراء القياسات الأخرى.
وتضيف أن أجسامها تكون شديدة البرودة، ومعدل تنفسها ونبضات قلبها يكون بطيئاً للغاية، حتى إنه "يصعب أحياناً التمييز بين كونها حية أم لا".
ويدرس زملاء رايس، ومن بينهم الباحث في السبات كيلي درو، العامل الذي يُحفّز على وجه التحديد تباطؤ عملية التمثيل الغذائي لدى هذه الحيوانات، بما يسمح بانخفاض درجة حرارة أجسامها إلى هذه المستويات المتدنية.
ولطالما استخدم الأطباء الثلج أو أدوية محددة لتبريد بعض المرضى الذين تعرضوا لنوبة قلبية أو سكتة دماغية، بهدف حماية الأعضاء الحيوية، مثل: المخ، من نقص الأكسجين الذي يحدث في أثناء تلك الحالات، بيد أن هذه الاستراتيجية لا تنجح دائماً، كما أن تطبيقها قد يكون صعباً، لأن الجسم يبدأ بمقاومة التبريد ويسعى إلى استعادة دفئه من خلال الارتجاف.
ويقول درو إنه إذا تمكن العلماء من التوصل إلى وسيلة لإبطاء عملية التمثيل الغذائي لدى المرضى، وهو ما يسمح للجسم بأن يبرد بصورة طبيعية، فقد يكون ذلك أكثر فاعلية، "لأن الجسم لن يقاوم".
كما يسهم إبطاء عملية التمثيل الغذائي في الحفاظ على الأعضاء المخصصة للزرع لفترات أطول خارج الجسم، كذلك يساعد في حماية مرضى السرطان من الآثار الضارة للإشعاع، الذي يتسبب في نواتج ثانوية خطيرة في ظل عملية التمثيل الغذائي الطبيعية، وفقاً لما يقوله دومينيكو توبوني، أستاذ الفسيولوجيا العصبية في جامعة أوريغون للصحة والعلوم وجامعة بولونيا الإيطالية.
والأهم من ذلك، أن إبطاء عملية التمثيل الغذائي قد يتيح كسب مزيد من الوقت للمرضى الذين يمرون بحالات طبية حرجة، بدءاً من المصابين بالسكتات الدماغية الذين يقيمون على مسافات بعيدة من المستشفيات، وصولاً إلى الجنود الذين يتعرضون لإصابات في ساحات القتال (وهو أحد الأسباب التي دفعت مكتب أبحاث الجيش الأمريكي ووزارة الدفاع الأمريكية إلى تمويل الأبحاث المتعلقة بسناجب الأرض القطبية).
وتقول رايس: "إذا أمكن حقاً إبطاء عملية التمثيل الغذائي بصورة آمنة ولمدة طويلة، فسيكون بالإمكان كسب مزيد من الوقت لعلاج الحالات المرضية الحرجة".
الجدير بالذكر أن كيلي درو وزملاؤه اكتشفوا، قبل ما يزيد على عشر سنوات، أحد المحفزات المهمة للسبات لدى سناجب الأرض القطبية، المعروف باسم الأدينوسين، وهو جزيء طبيعي يتراكم في المخ البشري على مدار اليوم، ويُعتقد أنه يتسبب في الشعور بالنعاس بحلول المساء، وفي الواقع، لذا يعمل الكافيين على حجب مستقبلات الأدينوسين في الجسم.
وفي إحدى الدراسات المنشورة عام 2011، حقنت درو وزملاؤها أدمغة سناجب الأرض القطبية بعقار ذي تركيب كيميائي مماثل للأدينوسين يُعرف باسم "6-إن سيكلوهكسيل أدينوسين" ودخلت الحيوانات بالفعل في حالة شبيهة بالسبات، على الأقل عندما أُجريت التجربة في وقت قريب من موعد سباتها الطبيعي، كما تباطأت عملية التمثيل الغذائي لديها، وتوقفت أجسامها عن إنتاج الحرارة، "ثم انخفضت حرارة أجسامها بطريقة تشبه السبات إلى حد كبير"، بحسب ما قالت درو.
ومن اللافت أن هذا الجزيء يُحدث تأثيراً مماثلاً في الفئران العادية، على الرغم من أن هذا النوع من الحيوانات لا يدخل في سبات بصورة طبيعية، ففي دراسة أُجريت عام 2013، حقن دومينيكو توبوني وزملاؤه المادة في أدمغة فئران، ولاحظوا انخفاض درجة حرارة أجسامها الأساسية من 38 درجة مئوية إلى نحو 28 درجة مئوية، ويقول توبوني إن درجة الحرارة لم تنخفض إلى ما دون ذلك، لأن درجة حرارة البيئة المحيطة كانت تُحافظ على مستوى معتدل وآمن.
كما أظهرت.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأنباء الكويتية


