ربما كانت رواية «جاتسبى العظيم» لفيتزجيرالد هى الرواية الأمريكية الأهم، أو هى بالأحرى رواية أمريكا ذاتها. الرواية تدور فى نيويورك فى عالم العشرينيات الصاخبة، أو ما يُسمى «عصر الجاز» نسبة إلى هذا الصنف الموسيقى الذى تميزت به أمريكا. ومن العجيب أن الرواية لم تُصب نجاحاً وقت نشرها، رغم أن كاتبها كان على يقين من أنه يكتب أهم عملٍ فى حياته. ثم كان أن ذاعت ذيوعاً مفاجئاً وهائلاً بعد الحرب العالمية الثانية، وقد قرأها الكثير من الجنود، ثم قُررت فى بعض المناهج التعليمية، وأُنتجت فيما بعد فى أفلام شهيرة، بل إن ثمة أفلاماً مصرية أعادت تمصيرها.
فى الرواية يظهر «جاتسبى» فجأة فى نيويورك بقصرٍ منيف يبهر الناظرين، وثروة لا أول لها ولا آخر. لا أحد يعرف من أين جاء ولا من أين بالضبط حصّل هذه الثروة، وإن كانت هناك تلميحاتٌ لصفقاتٍ مشبوهة ومضاربات مالية. هو مبهرٌ فى كل شىء: فى هيئته ووسامته وملبسه وحفلاته الباذخة. يكاد «جاتسبى» يجسد الحلم الأمريكى فى التحقق المادى والصعود الاجتماعى الذى لا يعرف حدوداً. هو صنع نفسه بنفسه، آتياً من فقر نبراسكا ليُجرب حظه فى نيويورك التى تشرئب إليها الأبصار، ليس أبصار الأمريكيين وحدهم ولكن أبصار العالم كله.
قصة «جاتسبى» تُشبه قصة كل مهاجر إلى الولايات المتحدة، التى يحلو للبعض أن يسميها أمةً من المهاجرين، (وربما كان الرئيس «كنيدى» هو أول مَن استخدم هذا المصطلح). كلُ ساكنٍ فى أمريكا هو مهاجرٌ بالتعريف. وكل مهاجر يُخلف قصةً وراءه، ثم يُعيد اختراع نفسه وابتداع قصته فى عالمه الجديد. السحر الأمريكى يكمن فى «إعادة الاختراع والابتداع» على نحو مستمر ومتجدد. البشر يعيدون اختراع أنفسهم وهوياتهم، وكذلك البلد نفسه!.
أمريكا، شأنها شأن «جاتسبى»، صنعت نفسها بنفسها. اخترعت نفسها إن جاز التعبير. ما هذا حالُ أغلب الأمم التى نعرفها. الأمم تنشأ بالتراكم البطىء. تظل مشدودةً إلى حمولة التاريخ. يتطور واقعها الاجتماعى ببطء وبخطو وئيد. أما الولايات المتحدة التى تحتفل بعيدها الـ ٢٥٠ هذه الأيام، فقد أنشأت نفسها بنفسها، وصاغت نظامها الاجتماعى والسياسى، فى تجربة فريدة تظل إلى اليوم نسيج وحدها. أقرب التجارب شبهاً إليها فى التاريخ هى الجمهورية الرومانية، وقد نشأت الولايات المتحدة على هدى فلسفتها السياسية التى تجمع بين المحافظة والتحرر. روما أيضاً ابتدعت نظامها السياسى الخاص، وهو بلا مثيل فى العالم القديم، وقد دام ٥٠٠ عام قبل أن تتحول روما إلى إمبراطورية دامت ٥٠٠ عام أخرى.
الحلم الأمريكى جوهره أن الفرد، كما الأمة نفسها، يمتلك إمكانية صناعة نفسه بنفسه. المجتمع لا يضمن للإنسان النجاح أو الحصول على السعادة، ولكنه يمنحه إمكانية «السعى إلى السعادة» كحقٍ أصيل لا يُمكن انتزاعه منه، كما فى المادة الأولى من إعلان الاستقلال الذى صاغه توماس جيفرسون، القامة الأهم من بين الآباء المؤسسين. لاحظ أن الشعار الشهير يُشير إلى «الحلم» وليس الواقع، وأن إعلان الاستقلال يؤكد حق «السعى» وليس الحق فى السعادة نفسها.
إلى هذه اللحظة لا تزال.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم
