ترجمة: علاء الدين أبو زينة دانيال فالكوني* - (كاونتربنش) 1/7/2026
كتبت المنظِّرة السياسية الشهيرة ديانيل ألين ذات مرة: "إن إعلان الاستقلال مهم لأنه يساعدنا على إدراك أننا لا يمكن أن نحصل على الحرية من دون مساواة". ومع احتفال الولايات المتحدة بالذكرى الخمسين بعد المائتين لاستقلالها في 4 تموز (يوليو) 2026، يربط "إعلان الاستقلال" (1776) و"دستور الولايات المتحدة" (1787) و"مرسوم الشمال الغربي" (1787) جميعها بين التصورات المبكرة للقوة الإمبريالية، والسيادة، والشرعية، والترابط المتبادل.
يمثل الجمع بين هذه الوثائق الثلاث خروجاً عن التأريخ التقليدي الذي يضع أحياناً بداية الإمبريالية الأميركية في القرن التاسع عشر، وفي سياق التوسع غرباً أو سعي الولايات المتحدة إلى السيطرة على أماكن مثل ألاسكا (1867) وهاواي (1898)، وهما الحالتان الأخيرتان لما يُعرف بـ"أطروحة المياه الزرقاء" للإمبريالية.[1]
أزعم أن المبادئ التأسيسية للبلاد كانت متجذرة في الاستعمار والإمبريالية أكثر مما كانت متجذرة في الحرية والتحرر. وبعبارة أخرى، بدأت عملية الاستعمار قبل القرن التاسع عشر بوقت طويل.
بدأت الولايات المتحدة منذ القرن الثامن عشر بالتكوُّن كجمهورية وإمبراطورية في آن واحد. وكما أشار الباحث غريغ غراندين مؤخراً، "كانت الحرية الأميركية مبنية على غزو لا نهاية له". وقد تجلّى ذلك في التوسع الإقليمي وفي مصادرة أراضي السكان الأصليين، وهو ما كان جزءاً بنوياً مندمجاً في مراحلها المبكرة.
كتب توماس باين في العام 1776: "لدينا القدرة على أن نبدأ العالم من جديد". وكان باين حالة نادرة باعتباره الوحيد تقريباً الذي كان تقدمياً من بين "الآباء المؤسسين" لأنه استشرف حرية داخلية وليس إمبراطورية خارجية. وقد نظر معاصروه، في أفضل الأحوال، إلى السكان الأصليين باعتبارهم عوائق أو أطفالاً يحتاجون إلى التأديب عندما لا يتم توجيههم لأغراض دبلوماسية. وفي أسوأ الأحوال، كان يُفترض إزالتهم أو قتلهم تماماً.
في العام 1776، نص "التقرير الأول حول كندا" على الهدف الذي حدده بوصفه استراتيجية إقليمية.[2] وحتى مع "مواد الاتحاد" (1777) كان هناك اعتراف بسيادة السكان الأصليين، لكنّ تكهنات وُجدت هناك في الوقت نفسه حول مستقبل "شؤون الهنود".[3]
ووثّق مؤرخون مثل الأب فرانسيس بول بروشا، وكولين غ. كالواي، وروبرت ج. ويليامز الابن، التحول في النظرة الاستعمارية من اعتبار السكان الأصليين حلفاء استراتيجيين وإخوة في الحرية، إلى اعتبارهم أطفالاً وأمماً تعتمد على الوصاية. وانتقل الأميركيون الأصليون من كونهم متساوين إلى كونهم قاصرين في حاجة إلى وصاية.[4] وأدت "معاهدة باريس" (1783) إلى مزيد من تقويض سيادة السكان الأصليين وشرعيتهم، وسهّلت نقل مُلكية أراضي أجدادهم من دون موافقتهم. كما تولي الدراسات الحديثة اهتماماً أكبر بـ"مرسوم الشمال الغربي" مقارنة بالدستور، وتشير إلى السياسات التوسعية المباشرة التي صاغها هذا المرسوم ثقافياً في وثائق التأسيس والاستراتيجيات الأميركية.[5]
كان يُفترض أن تكون الولايات المتحدة أيضاً جمهورية وإمبريالية في الوقت نفسه. وقد استُخدم "المرسوم" لتنظيم المستوطنين البيض وتهدئتهم وحماية مصالحهم من طبقة مُلاك المزارع الكبيرة.
وعلاوة على ذلك، وبما أن جيمس ماديسون كان يفضّل التوسع المنظم ويخشى الديمقراطية المباشرة، فقد "تم استخدام [المرسوم] كأداة لنزع الملكية للأغراض الاستيطانية وممارسة العنف ضد الشعوب الأصلية وأراضيها. لكن كونه خدم أهداف تفوق البيض يمكن أن يحجب حقيقة أن جزءاً كبيراً من عمله الأساسي لم يكن موجّهاً لصالح الرجال البيض، بل استُخدم تحديداً لتسخير وتوجيه الكيانات السياسية التي أنشأوها"، كما تقول المؤرخة جيسيكا تشوبين روني.[6]
قبل سنوات من تمدد الولايات المتحدة نحو ألاسكا أو هاواي، وفي رسالة كتبها جورج واشنطن من ماونت فيرنون بتاريخ 29 آب (أغسطس) 1788، قال:
"إن الظروف الطبيعية والسياسية والأخلاقية لإمبراطوريتنا الناشئة تبرر هذا التوقع. لدينا إقليم غير محدود تقريباً، تفوق مزاياه الطبيعية للزراعة والتجارة [مزايا] أي إقليم آخر في العالم".[7]
وبالمثل، كتب توماس جيفرسون إلى جيمس ماديسون من مونتيسيلو بتاريخ 27 نيسان (أبريل) 1809: "أنا على قناعة بأنه لم يوجد أي دستور من قبل كان ملائماً إلى هذا الحد كما هو دستورنا لإقامة إمبراطورية واسعة ومناطق حكم ذاتي..."[8]
وفي العام 1787، كتب ألكسندر هاملتون في العدد الأول من مجلة "أوراق فيدرالية": "إلى شعب ولاية نيويورك: إن موضوع النقاش يفرض أهميته بنفسه؛ حيث لا يتضمن في نتائجه أقل من وجود الاتحاد، وأمن ورفاه الأجزاء المكونة له، ومصير إمبراطورية هي من نواحٍ عديدة الأكثر إثارة للاهتمام في العالم..."[9]
بعبارات أخرى، كان واضحاً لدى واشنطن وجيفرسون وهاملتون في هذه المراسلات أن "الإمبراطورية" كانت عنصراً حتمياً ومطلوباً في الاستراتيجية الأميركية الكبرى، وهي اعتبارات تفوقت على مفاهيم الديمقراطية والجمهورية.
وفي سياق آخر، كتب توماس جيفرسون من باريس بتاريخ 25 كانون الثاني (يناير) 1786 إلى المحامي في فرجينيا أرشيبالد ستيوارت:
"يجب النظر إلى اتحادنا على أنه النواة التي ستُسكَن أميركا وتُعمّر منها بأكملها، شمالاً وجنوباً. وعلينا أيضاً أن نحرص على ألا نضغط على الإسبان مبكراً، حفاظاً على مصلحة تلك القارة العظيمة. لا يمكن أن تكون تلك البلدان في أيدٍ أفضل. أخشى أنهم أضعف من أن يحتفظوا بها حتى يصبح عدد سكاننا متقدماً بما يكفي لننتزعها منهم [قطعة] بعد [قطعة]. يجب أن تكون السيطرة على نهر المسيسيبي لنا".[10]
وهنا يوضح جيفرسون، من خلال كتاباته، فكرة الصيانة الدقيقة والنية التي كان مستعداً لتبنيها بشأن توسيع العنف الاستعماري بشكل بنيوي في كل الاتجاهات، بالتنسيق مع "مرسوم الشمال الغربي".
بتاريخ 7 أيلول (سبتمبر) 1783، خاطب جورج واشنطن المحامي في نيويورك جيمس دوين من روكي هيل قرب برينستون، نيوجيرسي، قائلاً:
"للوهلة الأولى، قد يبدو الأمر غريباً بعض الشيء -عندما يُطلب مني إبداء رأيي في شروط السلام المناسب الذي يجب إبرامه مع الهنود- أن أتطرق إلى مسألة تشكيل الولايات الجديدة؛ لكن الاستيطان في البلاد الغربية وإبرام السلام مع الهنود متشابهان لدرجة أنه لا يمكن تعريف أحدهما من دون التطرق إلى الآخر".
وتابع واشنطن:
"أكرر مرة أخرى، وأنا واضح في رأيي، أن السياسة و[الاقتصاد] يشيران بقوة إلى جدوى الحفاظ على علاقات جيدة مع الهنود، وإلى أولوية شراء أراضيهم بدلاً من محاولة طردهم بالقوة من بلادهم؛ وهو ما جربناه بالفعل، ويشبه دفع وحوش الغابات البرية التي تعود فور انتهاء المطاردة، وقد تنقض على من تبقى هناك؛ بينما التوسع التدريجي لمستوطناتنا سيجعل الساكن الأصلي ينسحب كما ينسحب الذئب؛ فكلاهما من الوحوش المفترسة، وإن اختلفا في الشكل".[11]
تبدو تعبيرات واشنطن هنا مرعبة في لغتها الصريحة التي تدفع نحو الأبوية والملكية. وقد يرى المدافعون عن الرئيس الأول و"أبو الأمة" أن الرسالة تتعلق بالدبلوماسية وصنع السلام وحفظه، لكنها مكتوبة في الغالب بطريقة قد يصفها إيمي سيزير بأنها تقوم على نزع الإنسانية، وتجريد البشر من إنسانيتهم، ومحاولة "تحويلهم إلى أشياء".[12]
في رسالة من واشنطن العاصمة بتاريخ 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1801، خاطب توماس جيفرسون جيمس مونرو قائلاً:
"من الصعب تصديق أن بريطانيا العظمى أو ملاك الأراضي الهنود لديهم من النزاهة أو الاحترام ما يكفي ليوافقوا على إراحتنا باستقبال مستعمرة كهذه بأنفسهم؛ وهناك شك في قدرة هؤلاء البشر على البقاء طويلاً في مثل هذا المناخ القاسي. على حدودنا الغربية والجنوبية، تسيطر إسبانيا على أرض شاسعة، يسكنها الهنود، باستثناء بعض المناطق المعزولة التي يملكها رعايا إسبان. من المشكوك فيه حقاً ما إذا كان الهنود سيبيعون أراضيهم؟ وهل ستكون إسبانيا مستعدة لاستقبال هؤلاء الناس؟".
وتابع جيفرسون:
"من شبه المؤكد أنها لن تتخلى عن السيادة. وينطبق السؤال نفسه علينا هنا أيضاً كما في الحالة الأولى: هل نكون مستعدين لوجود مثل هذه المستعمرة على تماس مباشر معنا؟ مع أن مصلحتنا الحالية قد تدفعنا إلى الانحصار داخل حدودنا، فإن من الممكن ألا نغفل عن أزمنة بعيدة، حين يؤدي تضاعف أعدادنا السريع إلى التمدد خارج تلك الحدود ليغطي القارة الشمالية بأكملها، إن لم يكن الجنوبية أيضاً، بشعب يتحدث اللغة نفسها، وتُحكمه أشكال متشابهة، وقوانين متشابهة؛ ولا يمكننا أن نتأمل بارتياح أي شائبة أو اختلاط على ذلك السطح".
واستخدم جيفرسون لغة أكثر حدة وصرامة في رسالته إلى جون آدامز بتاريخ 11 حزيران (يونيو) 1812 من مونتيسيلو:
"سيستسلم المتخلفون ويُدفعون إلى الوراء أكثر. سينزلقون إلى الهمجية والبؤس، ويتناقص عددهم بسبب الحرب والحاجة، وسنضطر إلى طردهم، مع وحوش الغابة، إلى الجبال الصخرية. ومع ذلك، سيتم قهرهم في كندا. إن امتلاك تلك البلاد يضمن حماية نسائنا وأطفالنا إلى الأبد من الفأس وسكين سلخ فروة الرأس، بإبعاد من يحرضونهم". [13]
يُظهر جيفرسون هنا منظوره الإمبريالي، ويؤطر إقصاء الشعوب الأصلية وإخضاعها باعتباره ضرورة للسيطرة الإقليمية وأمن المستوطنين. وهو يوضح بجلاء إيمانه بالتفوق العرقي، وبفصل الشعوب، وبالمشروع الإمبراطوري العام القائم على نظام قانوني عنيف بنيوياً وثقافياً. وقد أراد دولة تُفضل عالماً أنغلوسكسونياً ناطقاً بالإنجليزية، وتستخدم مشروع "الحرية الأميركية" بوصفه آلية توسعية لتأسيس ديمقراطية عرقية قائمة على الطبقات.
لاحقاً، في العام 1823، لاحظ وزير الخارجية، جون كوينسي آدامز، وجود "قوانين للجاذبية السياسية" إلى جانب الجاذبية الفيزيائية، وقال: "كما أن التفاحة، إذا انفصلت عن شجرتها الأصلية، لا بد أن تسقط إلى الأرض، فإن كوبا، إذا فُصلت قسراً عن ارتباطها "غير الطبيعي" بإسبانيا وغير القادرة على إعالة نفسها، ستنجذب حتماً نحو الاتحاد الأميركي الشمالي".[14]
وفي وقت لاحق من ذلك العام، صاغ الرئيس جيمس مونرو في رسالته السنوية إلى الكونغرس في 2 كانون الأول (ديسمبر) مبدأ حرية القارتين الأميركيتين من الاستعمار الأوروبي المستقبلي. وأصبح هذا التوجه يُعرف لاحقاً باسم "مبدأ مونرو".[15]
بحلول العام 1824، احتفى أنصار أندرو جاكسون به باعتباره.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
