في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لا تقتصر المنافسة على تطوير النماذج والتقنيات فقط، بل تمتد إلى امتلاك مصادر طاقة ضخمة ومنخفضة التكلفة لتشغيل البنية التحتية الرقمية. وهنا يبدو الخليج في موقع متقدم، إذ تتحول الصحراء القاسية التي طالما اعتُبرت تحديًا جغرافيًا إلى ميزة استراتيجية، تمنحه فرصة ليصبح قاعدة قوية لمراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي المستقبلية.

في سباق الذكاء الاصطناعي العالمي، لا تقتصر المنافسة على تطوير النماذج والتقنيات فقط، بل تمتد إلى امتلاك مصادر طاقة ضخمة ومنخفضة التكلفة لتشغيل البنية التحتية الرقمية. وهنا يبدو الخليج في موقع متقدم، إذ تتحول الصحراء القاسية التي طالما اعتُبرت تحديًا جغرافيًا إلى ميزة استراتيجية، تمنحه فرصة ليصبح قاعدة قوية لمراكز البيانات ومشروعات الذكاء الاصطناعي المستقبلية.

ومع التوسع المتسارع في مراكز البيانات، لم تعد قرارات الاستثمار تُبنى على توافر التمويل أو القدرات التقنية وحدها، بل باتت ترتبط أيضاً بعوامل تشغيلية تشمل المناخ، وكفاءة أنظمة التبريد، وتوافر الطاقة، باعتبارها عناصر تؤثر مباشرة في كلفة التشغيل واستدامة الأداء.

وفي خضم هذا التحول، أصبحت حرارة الخليج عاملاً اقتصادياً أعاد صياغة معايير الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فبدلاً من أن تشكل درجات الحرارة المرتفعة قيداً على توسع مراكز البيانات، دفعت الشركات إلى تطوير حلول أكثر كفاءة في التبريد وإدارة الطاقة، بالتوازي مع موجة استثمارات ضخمة عززت مكانة دول الخليج بين أبرز الوجهات العالمية لتطوير البنية التحتية الرقمية.

فخلال الأشهر الأخيرة، أعلنت دول الخليج عن استثمارات تتجاوز 23 مليار دولار في مشاريع الذكاء الاصطناعي، تشمل مجمعات حوسبة تصل قدرتها التشغيلية إلى عدة غيغاواط، إضافة إلى خطط لنشر مئات الآلاف من «وحدات معالجة الرسومات» (GPU)، في مؤشر على انتقال المنطقة من تبني تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى الاستثمار في المنظومة التشغيلية التي يقوم عليها هذا القطاع.

الخليج يوجّه صناديقه السيادية نحو أمن الطاقة لدعم الذكاء الاصطناعي

تقنيات التبريد الحديثة وإعادة هندسة مراكز البيانات

أصبحت البيئة التشغيلية في دول الخليج جزءاً من المعادلة الاقتصادية للاستثمار في مراكز البيانات. ووفقاً لتقرير نشرته منصة «فاست كومباني الشرق الأوسط» (Fast Company Middle East)، دفعت درجات الحرارة التي تتجاوز 45 درجة مئوية خلال أشهر الصيف مطوري مراكز البيانات إلى إعادة هندسة المنشآت الرقمية وتبني حلول تشغيلية جديدة تحافظ على كفاءة الأداء مع الارتفاع المتواصل في كثافة المعالجة داخل الخوادم.

وفي هذا السياق، تتجه المشاريع الجديدة إلى الاعتماد على تقنيات «التبريد السائل والتبريد المباشر للمعالجات» (Direct-to-Chip Cooling)، التي تتيح استيعاب قدرات حوسبية أعلى داخل المنشأة الواحدة، مع تحسين كفاءة استهلاك الكهرباء والمياه وخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل.

ولا يقتصر التحول على أنظمة التبريد، بل يمتد إلى استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في إدارة الأحمال الحرارية واستهلاك الطاقة بصورة لحظية، بالتزامن مع نمو الطلب على حلول الهندسة الحرارية وإدارة المياه، وهو ما يعكس اتساع سوق التقنيات والخدمات المرتبطة بمراكز البيانات، وتحول الابتكار في التبريد من متطلب هندسي إلى فرصة استثمارية تدعم نمو اقتصاد الذكاء الاصطناعي في المنطقة.

مقر «إنفيديا» في سانتا كلارا بوادي السيليكون، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، 28 أغسطس 2024.

استثمار المليارات يعيد رسم خريطة الحوسبة المتقدمة بالمنطقة

بالتوازي مع هذا التحول، تشهد دول الخليج موجة استثمارات غير مسبوقة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تقودها شراكات بين الحكومات وكبرى شركات التكنولوجيا العالمية. ووفقاً لإعلانات رسمية صادرة عن «جي 42» (G42) و«أوبن إيه آي» (OpenAI)، يجري تنفيذ مجموعة من أكبر مشاريع الحوسبة المتقدمة في المنطقة.

ففي دولة الإمارات، يشكل مشروع «ستارغيت الإمارات» (Stargate UAE) في أبوظبي المرحلة الأولى من مجمع الإمارات الولايات المتحدة للذكاء الاصطناعي، الذي يستهدف قدرة إجمالية تبلغ 5 غيغاواط، فيما تبلغ قدرة مشروع «ستارغيت الإمارات» نفسه 1 غيغاواط، تبدأ مرحلته الأولى بقدرة 200 ميغاواط.

وفي السعودية، أعلنت «هيوماين» (HUMAIN) شراكة استراتيجية مع «إنفيديا» (NVIDIA) لنشر عدة مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات خلال السنوات الخمس المقبلة، في واحدة من أكبر عمليات نشر البنية الحاسوبية المخصصة للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة.

كما وقعت الشركة اتفاقية بقيمة 10 مليارات دولار مع «إيه إم دي» (AMD) لتطوير منصة حوسبة متقدمة بقدرة تصل إلى 500 ميغاواط، إلى جانب تعاون بقيمة 5 مليارات دولار مع «خدمات أمازون ويب» (AWS) لإنشاء منطقة متخصصة في الذكاء الاصطناعي والخدمات السحابية، في خطوة تعكس تسارع الاستثمارات السعودية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

الاقتصاد الدائري في الخليج.. المخلفات تتحول إلى مورد استراتيجي للطاقة

أسعار الطاقة في الخليج.. ميزة تنافسية

تشير تقديرات «وكالة الطاقة الدولية» (IEA) إلى أن استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء عالمياً مرشح للتضاعف بحلول عام 2030، مدفوعاً بالتوسع السريع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل توافر الطاقة واستقرارها عاملاً حاسماً في قرارات الاستثمار.

وفي ضوء ذلك، يرى تقرير منصة «إنرجي كونكتس» (Energy Connects) أن المنافسة على استقطاب مراكز البيانات أصبحت تبدأ من قطاع الطاقة قبل قطاع التكنولوجيا. وتستفيد دول الخليج من أسعار كهرباء صناعية تتراوح بين 3 و5 سنتات أميركية لكل كيلوواط/ساعة في السعودية والإمارات، مقارنة بأكثر من 15 سنتاً في عدد من الأسواق الأوروبية.

ويقدّر التقرير أن مركز بيانات بقدرة 500 ميغاواط يعمل بمعدل استخدام يبلغ 80 بالمئة على مدى 15 عاماً يمكن أن يوفر نحو 5.8 مليار دولار من تكاليف الكهرباء عند تشغيله في الخليج مقارنة ببعض الأسواق الأوروبية، وهو ما يعزز الجدوى الاقتصادية للاستثمار في المنطقة، إلى جانب التوسع المستمر في مشاريع إنتاج الكهرباء وشبكات النقل.

من مراكز البيانات إلى منظومة اقتصادية متكاملة

يرى «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» (IISS) أن الاستثمارات الخليجية في الذكاء الاصطناعي تجاوزت إنشاء مراكز البيانات إلى بناء منظومة متكاملة تضم الطاقة، والحوسبة السحابية، وشبكات الاتصالات، والكوابل الرقمية، والكوادر المتخصصة، والشراكات مع كبرى الشركات العالمية، بما يعزز موقع المنطقة ضمن سلاسل القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

ومع استمرار نمو الطلب العالمي على القدرة الحاسوبية، تبدو دول الخليج مؤهلة لتعزيز موقعها كمركز رئيسي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، مستندة إلى تكامل الاستثمار في الطاقة، والتبريد، والحوسبة المتقدمة، وهي عناصر يتوقع أن تزداد أهميتها مع توسع الاقتصاد الرقمي العالمي خلال السنوات المقبلة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعة
منذ 19 دقيقة
منذ 28 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 31 دقيقة
منذ 49 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 49 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 5 ساعات
مجلة رواد الأعمال منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 49 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 10 ساعات