هل صنعت هوليوود صورة أميركا أكثر مما عكست واقعها؟. من الوسترن إلى الأبطال الخارقين، لم تكن السينما الأميركية مجرد ترفيه، بل أداة لبناء "الميثولوجيا الأميركية" وترسيخ الحلم الأميركي عالمياً، قبل أن تبدأ أفلام السبعينيات وما بعدها في تفكيك هذه السردية ومساءلة أبطالها وأساطيرها.

ملخص منذ بدايات القرن العشرين، فرضت السينما الهوليوودية نفسها وسيلة لصياغة المخيال الجماعي، متجاوزةً دور الترفيه الذي أُسند اليها. عقداً بعد آخر، راحت تعزّز صورة مثالية عن الولايات المتحدة، وتصدّرها إلى العالم، من شرقه إلى غربه، ومن شماله إلى جنوبه.

لم تعكس السينما الأميركية الواقع فحسب، وإنما أعادت تشكيله وفق رؤيتها الأيديولوجية، ولم تتردّد، في أحيان كثيرة، في إعادة اختراعه، محوّلةً المنعطفات التاريخية، وحتى أكثر الوقائع بساطةً، إلى سرديات أسطورية تقوم على الانتقاء والاختزال والتكثيف الدرامي. ومن هذه العملية المتواصلة ولد ما يمكن تسميته بـ"الميثولوجيا الأميركية"، وهي منظومة قصصية وثقافية تخطّت حدود الشاشة لتستقر في الوعي الجماعي.

وإذا كان للإغريق، كما لسائر الحضارات الكبرى، آلهتهم وأساطيرهم المؤسِّسة، فإن هوليوود اشتغلت هي الأخرى على نسيج من الحكايات والرموز والأبطال، لتصيغ من خلالها صورة أميركا الحضارية والقوية والمتفوقة. صورة أحاطتها المبالغة واتسعت لها المخيلة، لكنها طبعت وجدان المشاهدين جيلاً بعد جيل، حتى أضحت أقرب إلى حقيقة منها إلى بناء متخيّل. هذا كله من خلال أسلوب يقوم على فكرة "تبسيط المعقّد".

أميركا صنيعة صورة وخيال

"ذهب مع الريح" لفيكتور فلمينغ (ملف الفيلم) هكذا تأسست أميركا في المخيلة العالمية. لم يصنعها اقتصادها القوي وحده، ولا تدخّلاتها العسكرية، ولا تفوقها التكنولوجي، ولا غزوها الفضاء، بقدر ما صنعتها الصورة، ورسّخها الخيال، اللذان أدّيا دوراً استثنائياً في تعميم هيمنتها السياسية ونفوذها الثقافي، حتى بات هذا النفوذ يسبق، في كثير من الأحيان، حضورها الدبلوماسي والعسكري.

من خلال حكايات البطولة المطلقة، والصعود من العدم، والتوسّع نحو الغرب الذي صنع من الولايات المتحدة دولة عظمى، وعبر شخصيات تراوحت بين راعي البقر، والخارج عن القانون، ورجل العدالة، والجندي الذي يهب حياته دفاعاً عن وطنه، والمغامر الذي يُعطى كلّ الفرص، تبلورت فكرة "الحلم الأميركي"، التي تحوّلت إلى أحد أكثر المرتكزات ثباتاً في السينما. فالإيمان بأن الإنسان قادر على تغيير مصيره، مهما كان أصله أو خلفيته أو ظروفه، إذا امتلك الإرادة والعمل والمثابرة والذكاء، لم يبق فكرة أميركية خالصة، وإنما أصبح حلماً يتقاسمه ملايين البشر خارج الولايات المتحدة، وذلك من خلال حضوره المتكرر على الشاشة.

"الوسترن": مشروع أمّة

جون واين في "ألامو"" (ملف الفيلم) غير أن هذا البناء الأسطوري يستند، في عمقه، إلى قراءة انتقائية للتاريخ، ينطلق من زاوية المستوطن الأوروبي، فيما تُهمَّش التجربة المعقّدة للشعوب الأصلية، أو تُختزَل في صور نمطية، كما يجري التخفيف من حجم العنف الذي رافق التوسّع نحو الغرب. وعلى هذا النحو، تحوّلت الذاكرة التاريخية إلى رواية سينمائية أحادية، يتم تناولها من موقع المنتصر، وتغيب عنها أصوات المهزومين.

البطل الأميركي العادل

في موازاة ذلك، ابتكرت السينما الأميركية نموذجها الخاص لـ"البطل الأميركي"، الذي ما لبث أن تحوّل إلى شخصية أيقونية. فهو المستقل، الشجاع، الذي تحركه فكرة العدالة أو الشعور بالواجب تجاه الآخرين. ومع تطوّر السينما، لم يختفِ هذا النموذج، وإنما أعاد تشكيل نفسه ليتلاءم مع المتطلّبات الجديدة، من دون أن يتخلّى عن جوهره. ففي أفلام الحرب، والأكشن، والمغامرات، ظهر البطل نصيراً للحرية، ومدافعاً عن "العالم الحر" وقيمه، بما يكرس الوظيفة الرمزية لهوليوود في ترسيخ صورة الولايات المتحدة كـ"شرطي" يقف في مواجهة الشر، حتى وإن طاولت هذه الصورة مع الوقت مساءلة وسخرية.

الواقع مقابل الأسطورة

تشارلتون هيستون في "الوصايا العشر" (ملف الفيلم) تصح العودة إلى البدايات، إلى لحظة البزوغ، لكن من الأجدى اختيار مدخل بعينه لولوج هذه الميثولوجيا، وما من فيلم أفضل من "الرجل الذي قتل ليبرتي فالانس" لجون فورد (1962). ففي هذا الفيلم، ترد جملة عابرة تكاد تمر كتعليق هامشي، لكنها تختزل منطقاً كاملاً: "عندما تصبح الأسطورة حقيقة، انشر الأسطورة". هذه الحكمة مفتاح لفهم كيفية عمل آلية ثقافية يتجاوز مداها حدود الحكاية نفسها. ينطق بها رئيس تحرير جريدة موجّهاً كلامه إلى السيناتور، بعدما يكتشف الحقيقة المتعلّقة بالقاتل الفعلي لليبرتي فالانس، لكنه يقرر تجاهلها.

وما إن تُقال الجملة حتى تغادر الشخصيتين لتلامس جوهر المشروع الهوليوودي في علاقته بالتاريخ، والطريقة التي تُصَاغ بها منظومة كاملة من القيم والرموز. فالقضية لا تتعلّق بما حدث فعلاً، وإنما بما ينبغي أن نستلخص منه، وبالرواية التي يُراد لها أن تصمد في الذاكرة. وقد أدرك فورد، الإيرلندي الأصل، الذي كان يردد أنه يفضّل الأسطورة على الحقيقة، أن هوية الشعوب لا تقوم على الحقائق وحدها، وإنما على السرديات المؤسسة. يكتشف السيناتور أن القصّة التي أصبحت جزءاً من الوعي العام لا تطابق الحقيقة. ومع ذلك، ستبقى الحقيقة طي الكتمان، لأن هدم الأسطورة يعني زعزعة قناعة تعزز ثقة الناس بتاريخهم. وينسحب هذا على الكيفية التي عالجت بها هوليوود التاريخ، وهي الكيفية التي كان فورد نفسه أحد أبرز من أسهموا في ترسيخها.

من فيلم "مولد أمة" (ملف الفيلم) على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، منح فورد "الميثولوجيا الأميركية" صوراً وبيئةً ووجوهاً، ووثّق، في عشرات الأفلام، ولادة الديمقراطية الأميركية، فكان شريكاً أساسياً في بناء الخطاب الوطني. ثم عاد، في هذا الفيلم، ليكشف أن ذلك الخطاب يقوم، في جانب منه، على "كذبة لا بد منها". أدرك، ربما أكثر من أي مخرج آخر، المكانة التي تحتلها الأسطورة في صناعة صورة بلد وشعب وأمّة وحضارة. لم يسع إلى إنكارها، ولا إلى هدمها، بل اعترف بما تؤدّيه من دور في توحيد الجماعة وتشكيل هويتها، من دون أن يغفل أولئك الذين يُقصَون من الرواية الكبرى، ويُتركون في الظلّ إلى الأبد. وحين تتكرس هذه الصور بفعل التكرار، وتنتقل من جيل إلى آخر، تصبح جزءاً من الطريقة التي يرى فيها العالم الولايات المتحدة.

"ذهب مع الريح": غداً يومٌ آخر

يحتل "ذهب مع الريح" لفيكتور فليمينغ (1939) مكانة عظيمة في الذاكرة الثقافية كإحدى الملاحم المؤسسة لـ"الميثولوجيا الأميركية" على الشاشة. فهو يرسم صورة للجنوب الأميركي عشية الحرب الأهلية (1861-1865) تكاد تبدو فردوساً ريفياً مفقوداً، يقوم على مجتمع أرستقراطي تغمره الوفرة والرقي، حيث يظهر ملاك المزارع أصحاب أخلاق ومروءة، فيما يُقدَّم المستعبَدون في هيئة أشخاص راضين عن مصيرهم، أوفياء لسادتهم، ومنسجمين مع النظام القائم.

مارلين مونرو في "سنة الحكة السابعة" (ملف الفيلم) استند الفيلم إلى رواية مارغريت ميتشل، الصادرة عام 1936، التي تتتبّع سيرة سكارليت أوهارا (فيفيان لي)، ابنة إحدى العائلات الثرية في الجنوب، في زمن كانت فيه مزارع القطن والاقتصاد القائم على الرق يشكّلان ركناً أساسياً في البنية الاجتماعية. في حين تتصدّر قصة الحبّ مسار الأحداث وتمنح الفيلم زخمه الدرامي، يفرض الإطار التاريخي حضوره بقوة، ليصبح الجنوب بطلاً موازياً. انه عالم قائم في ذاته، بثقافته وقيمه وتناقضاته، يعاد استحضاره في قالب رومنطيقي يفيض بالحنين. ومن هنا تنبع الإشكالية الأساسية في الفيلم. فالعبودية، على رغم أنها تشكّل الأساس الذي قامت عليه تلك المنظومة الاجتماعية، تبقى في الهامش، فيما يعيد الفيلم إنتاج صورة للجنوب تستند إلى النوستالجيا أكثر ممّا تدعو إلى مساءلة الماضي.

تبدو الحرب الأهلية دفاعاً عن استقلال الجنوب السياسي في مواجهة الشمال، أكثر من كونها صراعاً ارتبط، في عمقه، بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي كرست نظام العبودية. ويختتم الفيلم بجملة أصبحت من أشهر العبارات في تاريخ السينما: "غداً يوم آخر"، وهي عبارة تتجاوز مصير سكارليت أوهارا لتجسّد فكرة الإيمان بإمكانية البدء من جديد، مهما بلغت قسوة الهزيمة.

كان للفيلم صدى عابر للحدود: فيما كان شارل ديغول يمشي من قوس النصر في باريس إلى نوتردام وسط "بحر" من البشر احتفاء بالتحرير، كان هنري لانغلوا (مؤسس السينماتك الفرنسية)، جمّع عدداً من المشاهدين في سينما "كلوب دو ليتوال"، واعداً إياهم بمفاجأة. وعندما دخل الجميع الصالة ورُفعت الستارة، صدحت فجأةً موسيقى ماكس ستاينر في الأجواء، فأصبح "ذهب مع الريح" أول فيلم أميركي يُعرض علناً في فرنسا بعد التحرير، بعدما كانت الأفلام الأميركية مستبعدة عن الشاشات تحت الاحتلال النازي، وإنما هذا لم يمنع لانغلوا من عرضها سراً طوال فترة الاحتلال.

جون واين في "القبعات الخضر" (ملف الفيلم) لم تبقِ هذه القراءة الرومنطيقية للجنوب موضع نقاش في "ذهب مع الريح" وحده، وإنما انسحبت على أعمال أخرى في تاريخ السينما الأميركية، في مقدّمها الفيلم الصامت "مولد أمّة" لديفيد وورك غريفيث، وصولاً إلى أفلام عديدة أعادت طرح الأسئلة نفسها حول تمثيل العنف، وصورة الآخر، وبناء الهوية الوطنية، والذاكرة التي اختارت هوليوود أن ترويها، وتلك التي آثرت التعتيم عليها.

"مولد أمّة": قراءة منحازة

"مولد أمة" (1915) من أكثر الأفلام الإشكالية في تاريخ السينما. فعلى امتداد عقود، انقسم النقّاد بين مَن احتفى به فتحاً سينمائياً أسّس للغة بصرية حديثة، ومن رآه عملاً يكرّس تفوق العرق الأبيض ويمنح العنصرية شرعية بصرية. ويعود هذا الانقسام إلى صاحبه، ديفيد وورك غريفيث، رائد السينما الأميركية، الذي أحدث ثورة على مستوى المونتاج والسرد، لكنه قدّم، في الوقت نفسه، قراءة منحازة للتاريخ.

الفيلم، المقتبس من رواية لتوماس ديكسون جونيور، تدور أحداثه في الجنوب الأميركي إبان الحرب الأهلية، ويتابع مصير عائلتين على خلفية ذلك الصراع، من منظور يتماهى مع البيئة الجنوبية المؤيدة للعبودية التي نشأ فيها غريفيث. ولعقود طويلة، احتل الفيلم مكانة شبه مقدّسة في تاريخ الفنّ السابع، قبل أن تدفع التحوّلات الاجتماعية، وتصاعد الوعي بقضايا التمييز العنصري، إلى إعادة النظر فيه، ليصبح، في نظر كثيرين، عملاً يحرّف الوقائع ويضفي مسحة بطولية على خطاب الكراهية.

فيلم "ستايكوتش" لجون فورد (ملف الفيلم) واين: الأميركي المحافظ

أنجب الغرب الأميركي نوعاً سينمائياً ظلّ حكراً على السينما الأميركية، هو الوسترن، الذي سيغدو مع مرور الزمن أحد أكثر الأنواع تعبيراً عن الهوية الوطنية. ففي فضاء شاسع تحتضنه الجبال والسهول والبراري، تموضعت حكايات رجال القانون والخارجين عليه، ورعاة البقر، والسكّان الأصليين، والصالونات الخشبية، وعربات الخيل والأفق البعيدة. من هذا الخليط ولدت ميثولوجيا كاملة اكتظت بشخصيات تحوّلت تدريجاً إلى أيقونات.

من قلب هذا العالم السينمائي، أطل جون واين باعتباره النموذج الأكثر اكتمالاً للرجل الأميركي كما تخيله الـ"وسترن" الكلاسيكي: صلابة جسدية، ثقة مطلقة بالذات، استعداد دائم للمواجهة. وقد ظهر هذا النموذج في صورة المستكشف والمحارب وحامي الجماعة، قبل أن يبدأ بالتحوّل تدريجاً بين خمسينات القرن العشرين وثمانيناته، مع التحولات العميقة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية. ارتبط اسم واين، أكثر من أي ممثّل آخر، بصورة الأميركي المحافظ، حتى غدا رمزاً تشكّلت حوله أجيال كاملة.

تبدو مسيرته الفنية متداخلة مع سيرة الولايات المتحدة نفسها، بما حملته من توسّع وصراعات وتحولات. في معظم أدواره، جسّد الرجل الذي لا يتراجع عن المهمّة الموكلة إليه، مهما ارتفعت كلفتها أو اشتدت قسوتها. وكأي ظاهرة، تجاوز حضوره حدود الشاشة، إلى درجة أن وفاته حظيت بتكريم استثنائي داخل الكونغرس الأميركي، في سابقة نادرة.

يمثّل واين القوة والإصرار والحسم، كما عُدّ لدى كثيرين تجسيداً لفكرة التفوّق التي روجت لها الثقافة الأميركية التقليدية، القائمة على مركزية الرجل الأبيض. في أفلامه، كان البطل الذي يفي بوعوده، ويصمد أمام المحن، ويرفض المساومة أو الانحراف عما يعتبره صواباً أخلاقياً، تلك السمة التي ستصبح واحدة من أبرز ثوابت السينما الأميركية.

حضوره ظل محكوماً بتناقض لافت، إذ جمع بين تمثيل القيم التي أرادت الولايات المتحدة أن تقدّم نفسها من خلالها، وبين جوانب أخرى مثيرة للجدال في الوعي الأميركي. وبغضّ النظر عن الموقف من آرائه السياسية، فقد حرص على تقديم صورة المواطن الأميركي المثالي كما تخيّله عصره.

لم يفصل واين بين حضوره السينمائي ومواقفه السياسية. فقد أعلن، من دون مواربة، انتماءه إلى التيار المحافظ، وهو ما جعل صورته موضع جدال متواصل، وألقى بظلاله على قراءة إرثه الفنّي حتى اليوم. بلغ هذا التداخل ذروته عام 1968 مع فيلم "القبّعات الخضر"، الذي أخرجه واين (بالتعاون مع راي كيلوغ) وبادر إلى إنتاجه بدعم مباشر من الجيش الأميركي، مثيراً سخط الجماعات المناهضة للحرب. بدا الفيلم أقرب إلى خطاب تعبوي منه إلى عمل سينمائي قائم على المسافة النقدية، إذ قدّم التدخّل الأميركي في فيتنام كخيار مشروع وضرورة لا مفر منها، متبنياً رؤية واضحة داعمة للحرب.

الحب في "تايتنيك" (ملف الفيلم) ومع تغيّر المزاج العام داخل الولايات المتحدة، وظهور موجة من الأفلام التي أعادت النظر في حرب فيتنام وكشفت أبعادها الإنسانية والسياسية المؤلمة، ظلّ واين ثابتاً على موقفه، غير عابئ بالتحوّلات التي أعادت تشكيل الوعي الأميركي تجاه تلك المرحلة.

"ستايجكوتش": نقطة تحوّل

لكن، قبل تورطه في قضية الانتصار للحروب الأميركية، لا يمكن إغفال أن جون واين هو أحد أبرز ممثّلي أفلام جون فورد، و"ستايجكوتش" (1939)، إذ لعب دور هنري، شكّل نقطة تحوّل حاسمة في تاريخ السينما الأميركية. ففي مرحلة كان يُنظر فيها إلى الـ"وسترن" باعتباره نوعاً سينمائياً هامشياً، يُنتَج في الغالب ضمن أفلام الدرجة الثانية، جاء فورد ليقلب هذه المعادلة، مانحاً هذا النوع مكانة فنية لم يكن يحظى بها من قبل، ومثبتاً قدرته على احتضان دراما إنسانية معقّدة، ورؤية سينمائية طموحة لا تقل قيمةً عن أصناف أخرى. مع هذا الفيلم، لم يعد الغرب الأميركي خلفية لقصص المواجهة وتصفية الحسابات فحسب، وإنما أصبح بقعة رمزية لاختبار نشأة المجتمع الأميركي، وطرح أسئلة تتعلّق بالعلاقة بين القانون والفوضى، وبكيفية تشكّل السلطة داخل مجتمع وليد.

يمثّل الفيلم الانطلاقة الفعلية لما سيُعرف لاحقاً بـ"الوسترن الفوردي". ففي عالم فورد، لا تُستخدَم الصحارى والسهول الشاسعة من منطلق الفرجة فحسب، لكنها تتحوّل إلى مكوّنات درامية محمّلة بالدلالة التاريخية والأخلاقية. أما رحلة العربة التي تجمع شخصيات تنتمي إلى طبقات وخلفيات متباينة، فتغدو نموذجاً مصغّراً لمجتمع يتشكّل تحت ضغط الخطر والحدود المفتوحة. أسهم "ستايجكوتش" في إعادة التعريف بـ"الوسترن"، وفتح الباب أمام موجة من الأفلام التي تعاملت مع الغرب الأميركي باعتباره مادة درامية كبرى. لذلك يُنظر إليه اليوم كأحد النصوص العظيمة لهذا النوع السينمائي الذي ارتبط، بعمق، بتشكّل الهوية الثقافية الأميركية.

سيسيل ب. ديميل: امتداد للمقدّس

في أميركا التي "اكتشفها" المسيحيون الأوروبيون، كان لا بد من ربط "تاريخها" الفتي بالإنجيل والتوراة، على نحو يتيح لملايين المسيحيين حول العالم التماهي معها. هذه المهمة تولاها سيسيل ب. ديميل، البروتستانتي من ناحية الأب واليهودي من ناحية الأم، الذي عمل على إضفاء بُعد شبه مقدّس على السردية الأميركية، من خلال وصلها بالنصوص الدينية الكبرى.

"أوديسه الفضاء" لستانلي كوبريك (ملف الفيلم) وجد ديميل في القيم الأميركية امتداداً مباشراً لتلك السرديات التي حملت الوحي الإلهي، فحوّلها إلى عروض سينمائية مهيبة، ضخمة واسطورية، بدت أقرب إلى إعادة بناء بصري للعالم المقدّس. في أفلام مثل "الوصايا العشر" و"ملك الملوك" و"شمشون ودليلة"، تُقدَّم التوراة كحكاية بصرية مكتملة، ذات يقين درامي صارم، حتى غدت هذه الأعمال، لدى شريحة واسعة من الجمهور، مرجعاً تخييلياً شبه نهائي للكتاب المقدّس. فصار من الصعب على المخيال الشعبي أن يستحضر النبي موسى من دون ملامح تشارلتون هيستون.

قدّم ديميل النصوص التوراتية كصراع أزلي بين الحرية والاستبداد، في معالجة تماهت مع التصوّر الأميركي لذاته، وعملت على تكريس إحدى الأفكار المؤسسة للوعي الأميركي: أن أميركا أمة ترى في نفسها صاحبة رسالة تاريخية ذات بُعد أخلاقي وروحي يتجاوز حدود السياسة.

من خلال الديكورات العملاقة، والحشود الغفيرة، والموسيقى المهيبة، والمَشاهد الاحتفالية، جعل ديميل من السينما طقساً بصرياً يقترب من الشعائر الدينية في تأثيره وقدرته على الاقناع. ويمكن القول إنه، إذا كان فورد قد ابتكر أبطال الميثولوجيا الأميركية، وكابرا منحها إيمانها بالديمقراطية، وهوكس كرّس أخلاقيات الفرد، فإن سيسيل ب. ديميل ألبس هذه الميثولوجيا ثوب العناية الإلهية، وجعلها تبدو امتداداً لتاريخ مقدّس ورسالة كونية.

"الميوزيكال": أميركا ترقص وتغنّي

يحتاج "الميوزيكال" إلى مقال مستقل للبحث في هذا النوع الذي لم يبرع فيه إلا الأميركيون. فمن "قصّة الحي الغربي" إلى "ساحر أوز" وصولاً إلى "صوت الموسيقى"، أسّست هذه الأفلام لأميركا أخرى، تنتفض عبر الغناء والرقص، وتنظر إلى الحياة من نافذة مفتوحة على البهجة.

ولا بد من التوقّف عند فيلم واحد قادر على اختزال هذه الحالة التي صنعت مجد هوليوود في الأربعينيات والخمسينيات: "غناء تحت المطر" لستانلي دونن وجين كيلي وايز (1952)، وهو من أكثر الأفلام الغنائية، مساهمة في نشر "الميثولوجيا الأميركية". الفيلم يحوّل هوليوود نفسها إلى موضوع للحكاية، مقدّماً صناعة السينما كمصنع للأحلام، قادر على تحويل الأزمات إلى لحظات انتصار جمالي.

روبرت دو نيرو في "سائق التاكسي" (ملف الفيلم) تدور الأحداث في لحظة الانتقال من السينما الصامتة إلى الناطقة، وهي لحظة مفصلية في تاريخ الصناعة السينمائية، يلتقطها الفيلم من زاوية أميركية خالصة: التقدّم المستمر، والقدرة على إعادة اختراع الذات مهما تكن طبيعة التحولات. يجسّد دون لوكوود (جين كيلي) نموذج البطل الأميركي الذي ينتصر عبر الموهبة والعمل والمثابرة، فيما تتحوّل الاستوديوهات رمزاً لصناعة الخيال التي صدّرتها أميركا إلى العالم. أما المشهد الشهير الذي يرقص فيه كيلي تحت المطر، فيكثّف الفلسفة الإيجابية التي يقوم عليها هذا النوع السينمائي: ان تستمد من داخل الواقع القاسي لحظات خفيفة، قابلة للاحتفاء بالحياة. انه مشهد تتكرس فيه صورة أميركا كأرض للتفاؤل والطاقة الحيوية والانطلاقات الدائمة.

مونرو: تسويق نجمة

داخل بيئة تمنح الانطباع الدائم بالخشونة والصلابة، اضطلعت الأنوثة بدور مركزي في تشكيل ملامح "الميثولوجيا الأميركية"، وإن بدا دورها محكوم باعتبارات جندرية. لم تكن النساء مجرد حضور ثانوي خلف الكاميرا، وإنما أُسند إليهن، عبر منظومة النجومية الهوليوودية، فرز صور كاملة عن الجمال والرغبة والطموح والقوة. ومن بين هذه الأسماء برزت مارلين مونرو، كاثرين هيببورن، بيتي دايفيس، جوان كروفورد، وأودري هيبورن. كلّ واحدة منهن جسّدت تصوراً مختلفاً للأنوثة: من الاستقلالية إلى الحضور الطاغي، من الصلابة النفسية إلى الأناقة المغرية.

غير أن مارلين مونرو تظل التعبير الأكثر كثافةً عن "الغلامور" الهوليوودي، بما يحمله من سحر بصري قائم على التسويق الدقيق للصورة. فمنذ اللحظة الأولى، فُرضت صورتها كحقيقة بصرية تكاد تبدو عصيّة على التشكيك: الفستان الأبيض المتطاير فوق فتحة التهوية، الابتسامة الطفولية، والجسد المنحوت بعناية داخل منظومة تعرف تماماً كيف تصنع "النجمة" قبل أن تصنع الممثّلة.

داستن هوفمان في "الخريج" (ملف الفيلم) بين نورما جين ومارلين مونرو، يتجلى انقسام جوهري في بنية النجومية الأميركية: طفولة قاسية، وحدة، استغلال، في مقابل صورة براقة جرى إنتاجها داخل ماكينة استوديوهات تملك الصورة وتعيد تشكيل الحياة وفق منطقها الخاص. وهكذا تحولّت مونرو منتجاً ثقافياً كاملاً، يُعاد استهلاكه وتكراره وتصديره.

كابرا: سينما النيات الحسنة

لا يمكن.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من اندبندنت عربية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من اندبندنت عربية

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ ساعة
منذ 24 دقيقة
منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 7 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 10 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 11 ساعة
بي بي سي عربي منذ 3 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ 23 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 31 دقيقة