في غياهبِ الصراعٍ الدائر في اليمن والجنوب الذي أنهكَ الأرضَ وأدمى القلب وأضاعَ معالمَ الحقِّ بين ركامِ المصالحِ الضيقة، تَبرُزُ بين الحينِ والآخرِ مشاهدُ من العبثِ السياسيِّ والقانونيِّ تَكشفُ عن تغوُّلِ منطقِ الغَلَبةِ والقوَّةِ على منطقِ الشرعيةِ والعدالة، وتُعلنُ بصوتٍ مبحوحٍ أنَّ بعضَ ما يُقدَّمُ للعالمِ تحت يافطاتِ السلامِ والصفقاتِ الإنسانيَّةِ ليس سوى قنابلَ موقوتةٍ تُزرَعُ في خاصرةِ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ، وتُهدِّدُ بتقويضِ ما استقرَّ من أعرافٍ وقواعدَ حمَتْ وما تزالُ تحمي ضحايا الحروبِ من جورِ المنتصرِ وغطرسةِ المسلَّح. وإنَّ من أفظعِ ما يُمكنُ أن تُبتلى به شعوبُ الأرضِ أن تُساوَمَ دماؤها، وأن تُباعَ آلامُها في أسواقِ النفوذِ والمناوراتِ الإقليميَّةِ والدوليَّة، وأن يجدَ القتلةُ والمجرمونَ مَن يَرفعُ عنهم سيفَ القصاصِ العادلِ تحت ذريعةِ الأسرى زورًا وبهتانًا، في مشهدٍ لا يَمُتُّ إلى روحِ اتفاقيَّاتِ جنيف بصلة، بل هو انقلابٌ مُريعٌ على جوهرِها الإنسانيِّ النبيل.
لقد جرتِ المياهُ الكدرةُ في أنهارِ المفاوضاتِ الجاريةِ، بوساطةِ سلطنةِ عُمان وبتنسيقٍ مع المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة، لتُفضيَ في ظاهرِها إلى ترتيباتٍ لصفقةِ تبادلٍ مرتقبةٍ بين المليشياتِ الحوثيَّةِ وحكومةٍ وُصفت بالشرعيَّةِ لكنَّها نازحةٌ عن أرضِها، مهتزَّةُ البنيان، مُقصَاةٌ عن حاضنتها الطبيعيَّة، مُغيَّبٌ عنها صوتُ الجنوبِ العربيِّ وأهلُه الذين كانوا وما زالوا أوَّلَ مَن ذاقَ كأسَ الظلمِ والتنكيلِ على يدِ تلك المليشيات وتخلي تلك الحكومة التزاماتها الإنسانية والخدمية والمعيشة والحلول السياسية. وعلى الرغمِ من أنَّ هويَّةَ الأشخاصِ الذين تُصرُّ المليشيات الحوثيَّةُ على إدراجِهم في قوائمِ الأسرى لم تُعلَن رسميًّا، فإنَّ كشوفًا مسرَّبةً قد سرتْ كالنارِ في الهشيم، حاملةً بين سطورِها أسماءً تُفجِعُ القلبَ وتُدمي الضمير، وتكشفُ عن حقيقةٍ صادمةٍ مفادُها أنَّ عددًا غيرَ قليلٍ من هؤلاء المطلوبين لا تنطبقُ عليهم بحسبِ أوضاعِهم القانونيَّةِ الراسخة صفةُ أسرى الحرب ولا صفةُ المحتجزين على خلفيَّةِ النزاعِ المسلَّح، وإنَّما هم مدانونَ أو متَّهمونَ في قضايا إرهابيَّةٍ وجنائيَّةٍ شنيعة، زلزلتِ الأرضَ وأزهقتِ الأرواحَ وأراقتِ الدماءَ الحرامَ غدرًا وغيلة، من بينِها جرائمُ قتلٍ وتفجيراتٍ مروِّعة، وصلتِ الأحكامُ القضائيَّةُ الصادرةُ بحقِّ بعضِهم إلى عقوبةِ الإعدام، في مقدمتهم القائدُ الجنوبيُّ اللواءُ الركنُ ثابت مثنى جواس الردفاني، ورفاقُه من الحراسةِ الأبطال، وحراسةُ وزيرِ الدولةِ محافظِ عدنَ السابقِ أحمد حامد لملس، وغيرُهم من الذين سُفِكت دماؤهم أو أُزهِقت أرواحُهم غدرًا وإثمًا وعدوانًا.
إنَّ صفةَ أسير الحرب في قاموسِ القانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ ليست لَقبًا شرفيًّا يُلقى جزافًا على عاتقِ كلِّ مَن تطالبُ به مليشيات مسلَّحةٌ خارجةٌ على الدولة، وليست صكَّ غفرانٍ يمحو جرائمَ الإرهابِ وسفكَ الدماء، وإنَّما هي حالةٌ قانونيَّةٌ تَكتسِبُ بناءً على سببِ الاحتجازِ وغايتِه، لا بناءً على هويَّةِ الشخصِ أو انتمائِه السياسيِّ أو ولائِه الأيديولوجيّ. ولا يكتسبُ أيُّ إنسانٍ هذه الصفةَ الحقوقيَّةَ الرفيعةَ بمجرَّدِ أن يُطالبَ بالإفراجِ عنه أحدُ أطرافِ النزاع والصراع، بل لا بدَّ أن تتوافرَ فيه الشروطُ الدقيقةُ التي نصَّت عليها نصوصُ اتفاقيَّةِ جنيفَ الثالثةِ لعام 1949، والبروتوكول الإضافيُّ الأوَّلُ لعام 1977 الخاصُّ بالنزاعاتِ الدوليَّة، والقواعدُ العرفيَّةُ للقانونِ الدوليِّ الإنسانيِّ التي بلغت من الرسوخِ مبلغَ اليقين. فأسيرُ الحرب، في روح هذه المواثيق ونصوصِها، هو المقاتلُ الذي يقعُ في الأسرِ أثناءَ الاشتباكاتِ المسلَّحةِ أو بسببِها، لا ذلك القاتلُ المأجورُ الذي يدسُّ السمَّ في العسل، ويفجِّرُ بيوتَ الآمنين،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من عدن تايم
