مع اتساع العجز التجاري خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام ضغوط متزايدة ناجمة عن ارتفاع فاتورة الواردات، في وقت تفرض فيه اضطرابات الشرق الأوسط وتقلبات الأسواق العالمية أعباء إضافية على بلد يعتمد على الخارج لتلبية أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة.

مع اتساع العجز التجاري خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، يجد الاقتصاد المغربي نفسه أمام ضغوط متزايدة ناجمة عن ارتفاع فاتورة الواردات، في وقت تفرض فيه اضطرابات الشرق الأوسط وتقلبات الأسواق العالمية أعباء إضافية على بلد يعتمد على الخارج لتلبية أكثر من 90% من احتياجاته من الطاقة.

واتساع العجز التجاري، بحسب خبراء اقتصاد مغاربة تحدثوا لـ«إرم بزنس»، يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد، لكن لن يؤدي لأزمة فورية، مشيرين إلى أن السيناريو الأقرب خلال الأشهر المقبلة، هو استمرار العجز، مع احتمال تباطؤ وتيرته إذا تراجعت أسعار الطاقة وتحسنت صادرات السيارات والفوسفات والسياحة.

تمويل بربع مليار دولار.. المغرب يرفع وتيرة التحول في إنتاج الطاقة

فجوة تجارية تتسع

أعلن مكتب الصرف في المغرب، أن عجز المملكة التجاري ارتفع 20.8% إلى 159 مليار درهم (17 مليار دولار) خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام، مدفوعاً بارتفاع واردات الطاقة والمعدات.

وذكر المكتب، في تقريره الشهري الصادر 2 يوليو الجاري، أن الواردات خلال الفترة ذاتها ارتفعت 11.8% عن العام السابق إلى 370 مليار درهم، متجاوزة الصادرات التي بلغت 211 مليار درهم، بزيادة 5.8%، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز».

وارتفعت واردات المغرب من الطاقة 20% إلى 55 مليار درهم، وارتفعت واردات القمح 8.6% إلى 8.3 مليار درهم قبل فترة تعليق الاستيراد في شهري يونيو ويوليو، التي فرضتها الحكومة لحماية المحصول المحلي.

وكان قطاع السيارات في المغرب، قطاع التصدير الرائد بقيمة 77 مليار درهم، بزيادة 16%، فيما يتمتع المغرب بأكبر احتياطي من الفوسفات في العالم، لكن صادراته من هذا المعدن ومنتجاته، بما يشمل الأسمدة، انخفضت 11.2 % إلى 32.6 مليار درهم.

وكانت مجموعة (المكتب الشريف للفوسفاط) المملوكة للدولة قالت في يونيو الماضي إنها ستستأنف الإنتاج بكامل طاقتها بعد أن خفضته 30%، وسط اضطرابات في الإمدادات بسبب الصراع في الشرق الأوسط.

ووسط تلك الفجوة التجارية، أبرز التقرير المغربي أن تحويلات المغاربة في الخارج، التي تعد مصدراً أساسياً لتدفق العملة الصعبة إلى المملكة، زادت 8.8% إلى 50.2 مليار درهم، وارتفعت أيضاً عوائد السياحة 14.3% إلى 53.7 مليار درهم، فضلاً عن زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة 20% مسجلة 30 مليار درهم.

أحد مواقع مجموعة مكتب الشريف «أو سي بي» المغربية، لإنتاج الفوسفات والأسمدة، في منجم الكنتور المغربي.

المصدر: الموقع الإلكتروني لمجموعة مكتب الشريف «أو سي بي» المغربية

ضغوط إضافية على الاقتصاد المغربي

يعتقد الخبير الاقتصادي المغربي، إدريس الفينة، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن «اتساع العجز التجاري يفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد، لكنه لا يعني بالضرورة أزمة فورية».

الضغط الأساسي، بحسب إدريس الفينة، «يأتي من أن الواردات تنمو بوتيرة أسرع بكثير من الصادرات. فخلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026 بلغت الواردات 370.5 مليار درهم بارتفاع 11.8%، بينما بلغت الصادرات 211.4 مليار درهم فقط بارتفاع 5.8%، ما أدى إلى اتساع العجز التجاري إلى 159.1 مليار درهم، بزيادة 20.8%. كما تراجع معدل التغطية من 60.3% إلى 57.1%».

يأتي ذلك الضغط من ثلاث قنوات رئيسية، وفق تقديرات الفينة، أولاً ارتفاع فاتورة الطاقة، إذ زادت واردات الطاقة والوقود بنسبة 20.7% إلى حوالي 55.2 مليار درهم، وثانياً، ارتفاع واردات معدات التجهيز بنسبة 18.7%، وهو ما يرفع العجز على المدى القصير، حتى لو كان يعكس في جانب منه استثماراً إنتاجياً، وثالثاً، بعض القطاعات التصديرية لم تواكب هذه الوتيرة، خصوصاً الفوسفات ومشتقاته التي تراجعت صادراتها 11.2%، والنسيج والجلد الذي تراجع 9.1%.

لكن الصورة ليست سلبية بالكامل، كما يعتقد إدريس الفينة، مؤكداً أن هناك عوامل موازنة قوية، منها ارتفاع فائض الخدمات، وارتفاع مداخيل السفر، وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، إضافة إلى تحسن صافي الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

وباعتقاد إدريس الفينة، فإن «جزءاً من الفجوة قد يكون مؤقتاً إذا كان مرتبطاً بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً أو بتوترات جيوسياسية»، داعياً لعدم التعامل معها كظاهرة مؤقتة بالكامل، بالقول: «ارتفاع العجز لا يرجع إلى الطاقة وحدها؛ فهناك أيضاً ارتفاع كبير في واردات معدات التجهيز، والمنتجات الاستهلاكية، والمواد الخام، لذلك فالمشكلة تجمع بين عامل ظرفي، هو الطاقة، وعوامل هيكلية مرتبطة بتركيبة الواردات وقوة الطلب الداخلي وضعف بعض القطاعات التصديرية».

وحذّر الفينة من أن فاتورة الطاقة قد تتراجع مؤقتاً ثم تعود للارتفاع مع أي صدمة دولية جديدة، داعياً لعدم انتظار انخفاض الأسعار، بل بناء قدرة اقتصادية أقل حساسية للصدمات الخارجية، بخطوات استباقية منها تسريع مشاريع الطاقة المتجددة، وتوسيع قاعدة التصدير نحو منتجات ذات قيمة مضافة أعلى، ودعم القطاعات التي تستطيع تعويض تراجع الفوسفات أو النسيج عند حدوث تقلبات.

وعن سيناريوهات المستقبل، يخلص الفينة، إلى أنه في المدى القريب، سيبقى العجز التجاري تحت الضغط إذا استمرت أسعار الطاقة مرتفعة أو إذا واصلت الواردات النمو بوتيرة تفوق الصادرات.

لكن هناك سيناريو أكثر إيجابية بحسب الفينة، مضيفاً: «سيحدث ذلك إذا تراجعت فاتورة الطاقة، واستمرت قوة صادرات السيارات والطيران، وتعافت صادرات الفوسفات ومشتقاته، وبالتالي يمكن أن يتباطأ اتساع العجز خلال الفترة المقبلة».

كيف واجه عملاق الأسمدة المغربي واحدة من أصعب أزماته؟

سبب العجز.. مزيج ظرفي وهيكلي

يرى المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أمين سامي، في حديث لـ«إرم بزنس» أن العجز التجاري الحالي في المغرب مزيج بين عجز ظرفي وأيضاً هيكلي، موضحاً أن العامل الظرفي واضح، من خلال ارتفاع واردات الطاقة، المواد الخام، السلع التجهيزية والاستهلاكية.

لكن العامل الآخر هو هيكلي، فالمغرب يستثمر وينمو، لكنه يستورد جزءاً كبيراً من أدوات النمو، وتشير بيانات المندوبية السامية للتخطيط إلى أن معدل اختراق الواردات تضاعف تقريباً من 21.2% سنة 2000 إلى 46.4% سنة 2024؛ أي أن الطلب الداخلي أصبح يعتمد أكثر فأكثر على الخارج، وفق سامي.

ويقول أمين سامي: «ورغم تحسّن صادرات المغرب، خصوصاً في قطاعي السيارات والطيران، إلا أن نمو الواردات ظل أسرع، إذ ارتفعت صادرات السيارات بـ18.6% والطيران بـ15.9% إلى نهاية أبريل 2026، لكن ذلك لم يكفِ لتعويض قفزة الواردات». موضحاً أن المشكلة ليست في ضعف التصدير فقط، بل في ضعف العمق الصناعي المحلي. حيث نصدّر سيارات وطائرات ومكونات، لكننا ما زلنا نستورد جزءاً كبيراً من المدخلات، الآلات، الطاقة، التكنولوجيا، والمواد الوسيطة.

ما الحل؟

يقترح سامي لمواجهة تلك الفجوة، أن تكون الأولوية لتعميق الاندماج الصناعي المحلي وتسريع الإحلال الذكي للواردات، وذلك ليس عبر المنع، بل عبر إنتاج محلي تنافسي للمدخلات المتكررة الاستيراد، والعمل على تخفيض التبعية الطاقية عبر الطاقات المتجددة، والتخزين، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات التي تقلص العجز مستقبلاً، لا نحو مشاريع ترفع الواردات دون أثر تصديري لاحق.

وأكد المستشار الدولي في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي، أمين سامي أن الاحتياطات الرسمية قوية؛ حيث أعلن بنك المغرب أن الاحتياطات سجلت 469.8 مليار درهم إلى نهاية أبريل 2026، أي ما يعادل 5 أشهر و18 يوماً من واردات السلع والخدمات، موضحاً أنه بالتالي لا نتحدث عن اختناق خارجي، بل عن فجوة إنتاجية، والاقتصاد قادر على التمويل حالياً، لكنه يحتاج إلى رفع القيمة المحلية قبل أن يتحول العجز إلى ضغط دائم على العملة، والتمويل.

ويخلص أمين سامي إلى أن السيناريو الأقرب خلال الأشهر المقبلة، هو استمرار العجز، مع احتمال تباطؤ وتيرته إذا تراجعت أسعار الطاقة وتحسنت صادرات السيارات والفوسفات والسياحة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 16 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 23 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 57 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 38 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ 12 ساعة