رحلة بناء «المناعة» للدولة من« الأوكتاجون» إلى مركز «تنسيق الدفاع»

حينما ذهبتُ لتلبية دعوة افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، فى العاصمة الجديدة، كنتُ أتصوّر أننا سنكون أمام افتتاح رئاسى جديد، كما هو معتاد من مراسم فى المشروعات الحديثة التى تنفذها الدولة، لكننى بمجرد الدخول إلى مقر «الكيان» العسكرى بالعاصمة، استشعرتُ أننا سنكون أمام حدث نوعى، ستتجاوز رسائله وأهدافه حدود الافتتاح الرسمى.

فقد رُتبت ساحة الافتتاح والعرض باصطفاف عسكرى من قوات فى أعلى درجات الجاهزية، وبجوارها أحدث المعدات «المختلفة»، إلى أن كانت المفاجَأة فيما تابعنا وشاهَدنا فى مراسم افتتاح، جرت على مدى ساعة ونصف الساعة تقريبًا، وأظهرت إلى أى مدى وصلت قوة وقدرة الدولة المصرية من تطوير وتحديث وجاهزية.

هكذا شاهدتُ، «مِن على يسار منصة العرض الرئيسية»، فعاليات افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية (الأوكتاجون)، والذى جرى تصميمه معماريًا بشكل فريد ومعقد؛ ليعكس الهوية المصرية الراسخة، ويحقق التكامل بين أفرع القوات المسلحة.

شاهدتُ سيمفونية عسكرية جاءت إيذانًا بمَرحلة جديدة فى مسار تطور الجيش المصرى، وعبّرت فى الوقت نفسه عن لحظة انتصار لدولة تعيد بناء قواها الشاملة، بَعد سنوات من استهداف مؤسّساتها، فى مشهد وقفَ فيه القائد الأعلى، الرئيس عبدالفتاح السيسي، مرتديًا زيّه العسكرى، وإلى جواره القائد العام ورئيس الأركان وقادة أفرع القوات المسلحة، ليس لاستعراض قوة وجاهزية قواتهم فقط؛ وإنما لتسجيل لحظة العبور الجديدة للقوات المسلحة.

ربما كانت هذه من المرّات المعدودة التى يرتدى فيها الرئيس السيسي، زيّه العسكرى فى مناسبة رسمية أو فعالية عامة، منذ أن تولى مهامه كرئيس للجمهورية قبل اثنى عشر عامًا، أذكر أن المرّة الأولى كانت فى حدث افتتاح قناة السويس الجديدة فى أغسطس 2015، وظهر أيضًا مرتديًا الزّى العسكرى مرتين فى سيناء، أثناء المواجهة الشاملة مع الإرهاب، عامىّ 2015، و2018، وصولاً لمشهد افتتاح «الأوكتاجون»، والمعنى هنا؛ أنّ فى المظهر العسكرى للقائد الأعلى، رسالة ترتبط إمّا بلحظة مواجهة حاسمة رادعة، أو لحظة انتصار، لا سيما إذا اقترنت باحتفالات واستعراضات عسكرية.

والدول الكبرى حينما تستعرض قواها العسكرية؛ فهى لا تستعرض فقط قدراتها؛ وإنما تبعث برسائل ردع واضحة، تستخدم فيها العروض الضخمة للقوات الجاهزة والمعدات والأسلحة الاستراتيجية والمتطورة، كأداة لتأكيد سيادتها واستقلالها وقوتها وتأثيرها السياسى.. هكذا نستطيع أن نفهم العروض الضخمة التى تقيمها مثلاً الصين سنويًا فى ذكرى النصر؛ لاستعراض ترسانتها العسكرية، أو العروض التى تقدمها أيضًا روسيا بمشاركة دول أخرى فى يوم النصر سنويًا، أو رسالة الجاهزية التى تقدمها كوريا الشمالية بالاستعراضات المتكررة لرؤوس صواريخها الباليستية.

والواقع أن الأسبوع الماضى، كان بمثابة استعراض لقدرة الدولة المصرية، وحداثتها، وكيف تطورت لتحقق «المناعة» فى مواجهة أى تحدٍّ، وكيف حصّنت قرارها ومؤسّساتها، حتى لا تتكرر مأساة استهداف مؤسّساتها وإشاعة الفوضى الداخلية، كما جرى فى يناير 2011 وصولاً إلى ثورة 30 يونيو 2013.

هذا التحول، كنتُ شاهدًا عليه من عدة فعاليات عقدت على مدار الأسبوع الماضى، من منصات العرض الرئيسية لها، بداية من افتتاح «الأوكتاجون»، ثم استعراض إمكانيات أجهزة الدولة فى مجابهة الأزمات والكوارث، وصولاً إلى نموذج محاكاة «مركز تنسيق الدفاع» الدولة فى إدارة إحدى الأزمات المُرَكبة.. وكلها معانِ تعكس ما وصلنا إليه من قدرة وجاهزية.

العبور الثالث

خلال مراسم افتتاح «الأوكتاجون»، جرى وصف هذه الخطوة (خطوة افتتاح القيادة الاستراتيجية)، بِعَدِّها عبورًا ثالثًا للقوات المسلحة، تنتقل فيه إلى مرحلة جديدة من التطوير والتحديث، وامتلاك القدرة والقوة قبل أن تتكالب التحديات، وإعلان للجاهزية فى مواجهة أى اعتداء.

وهذه المرحلة من التحديث والتطوير، ما هى إلا امتداد لعقيدة عسكرية راسخة منذ قرون، وتعبير عن مؤسّسية ومركزية الإدارة فى الدولة المصرية حاضرة منذ القِدَم، فالمصريون أول مَن زرع وأول مَن بنَى، وأول مَن دَوّن وكتَب حضارته، أول مَن أسّس جيشًا نظاميًا وطنيًا فى التاريخ، منذ عهد (الملك مينا) موحد القطرين قبل الميلاد.

والمعنى هنا؛ أننا نتحدث عن نقلة نوعية من امتلاك القدرة والقوة، تشكل امتدادًا حضاريًا للدولة المصرية، فى التطوير والتحديث والمؤسّسية؛ تناسب العصر بتحدياته، وفى امتلاك أحدث النظم الدفاعية والتكنولوجية الفائقة فى العالم، لذلك لم يكن غريبًا أن تصف القوات المسلحة المصرية، خطوة مقر «القيادة الاستراتيجية»، باعتبارها عبورًا ثالثًا لمرحلة جديدة للجيش المصرى.

ونقطة التوقف المراد هنا، إذا كان العبور الأول للجيش المصرى، كان فى انتصار حرب أكتوبر 1973 لاسترداد الأرض المحتلة فى سيناء؛ فإن العبور الثانى، كان بإنقاذ وطن وحماية هويته ونسيجه فى ثورة الثلاثين من يونيو، حينما انحازت القوات المسلحة لإرادة الشعب وانتصرت لمطالبه بإسقاط حكم تنظيم إرهابى، ثم تأتى مرحلة بناء القوة والقدرة الشاملة على المواجهة والتحدى؛ لتشكل لحظة جديدة من انتصارات الجيش المصرى، انتصار ليس فى ميدان الحرب التقليدية؛ وإنما فى مواجهة «أعداء» استهدفوا أركان الدولة وهويتها، لتواجَه ليس بالسلاح فقط ولكن بالفكر والتطور والتحديث والجاهزية.

هناك أسباب عديدة، استراتيجية وأمنية، دعت الدولة المصرية لتشييد بنيان القيادة الاستراتيجية بهذا الشكل والحجم، أبرزها كما أشار تقرير للهيئة العامة للاستعلامات، تحقيق «المركزية الإدارية والاستراتيجية والقضاء على تباعد المقار وغرف العمليات السيادية، وجمعها تحت مظلة واحدة وآمنة لضمان سرعة تدفق المعلومات، وإصدار التوجيهات»، إلى جانب «مواجهة التهديدات الحديثة عبر التعامل مع الجيلين الرابع والخامس من الحروب والتهديدات السيبرانية، التى تستدعى منظومات دفاعية رقمية فائقة التطور».

وبالتالى؛ نحن نتحدث عن نقلة كبرى سعت لها القوات المسلحة، ربما لم تحدث منذ أكثر من 150 عامًا، بإنشاء كيان موحَّد ورئيسى للقوات المسلحة، يُعَد الأكبر من نوعه فى العالم؛ ليحقق المناعة الكاملة للدولة المصرية ويحميها من أى ضغوط؛ خصوصًا فى لحظات الخطر، ويساعد القيادة السياسية على إدارة الدولة فى أصعب الظروف، بما يعنى تحرير القرار الوطنى من أى إملاءات أو مؤثرات داخلية وخارجية.

لماذا كل هذه الجاهزية؟

من مبادئ الرّدع فى العلوم العسكرية والسياسية؛ أنه «إذا أردت أن تمنع حربًا فاستعد لها».. هكذا نستطيع أن نتوقف مع زاوية أخرى من مشهد افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، فالرسالة ليست فى افتتاح مبنى جديد صُمِّم بطراز عمرانى فريد (ثُمانى الأضلاع)؛ وإنما فى امتلاك واحدة من أكبر مراكز السيطرة والقيادة فى العالم، بأحدث الأنظمة الذكية.

والمعنى هنا؛ فى امتلاك الجاهزية والاستعداد على المواجهة الدائمة.. هكذا تابَعنا فى ساحة العرض، حجم التطور فى كل عناصر المنظومة العسكرية، بداية من إعداد الفرد المقاتل الكفء والمنضبط والواعى بأساليب الحروب الحديثة، وأيضًا فى التنوع فى عمليات التسليح بشتى أنماطه وأفرعه، بما فى ذلك الأسلحة المصنعة وطنيًا، فضلاً عن استعراض ترسانة متطورة من الأسلحة تحقق السيطرة والردع؛ خصوصًا التشكيلات المختلفة للمروحيات والمقاتلات، وأنظمة الدفاع الجوى الحديثة.

وما يستحق التوقف أيضًا، أنه رغم أن فلسفة إقامة.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بوابة روزاليوسف

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بوابة روزاليوسف

منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 57 دقيقة
منذ ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 17 ساعة
قناة اكسترا نيوز منذ 4 ساعات
بوابة الأهرام منذ 6 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 14 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 8 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 9 ساعات