لم تعد مكافحة الفساد في الكويت شأناً رقابياً يقتصر على تعزيز الحوكمة أو تطوير أداء المؤسسات العامة، بل أصبحت ترتبط بصورة مباشرة بقدرة البلاد على استعادة ثقة النظام المالي العالمي وجذب الاستثمارات.
فمنذ إدراج الكويت على قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة (اللائحة الرمادية) من قبل مجموعة العمل المالي الدولي (FATF) في 13 فبراير 2026، لم يعد ملف النزاهة مجرد استحقاق قانوني أو إداري، بل تحول إلى اختبار اقتصادي يمس كلفة المعاملات المالية العابرة للحدود، ومستوى ثقة المستثمرين، وقدرة الدولة على تحسين تنافسيتها في جذب رؤوس الأموال.
وفي هذا السياق، تستعد الهيئة العامة لمكافحة الفساد «نزاهة» لإطلاق استراتيجيتها الوطنية الجديدة لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، خلفاً للاستراتيجية الأولى (2019-2025)، التي أعلنت الهيئة إنجاز نحو 89% من مبادراتها، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى قدرة الوثيقة الجديدة على مواكبة المتغيرات الاقتصادية والمالية التي فرضها إدراج الكويت على اللائحة الرمادية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بنسبة الإنجاز أو عدد المبادرات، وإنما بما إذا كانت الاستراتيجية الجديدة قادرة على تحويل النزاهة إلى رافعة اقتصادية تعزز ثقة المستثمرين وتسرّع خروج الكويت من اللائحة الرمادية.
القطاع الخاص الكويتي يسجل أسرع معدل تضخم في أسعار الإنتاج خلال 5 سنوات
النزاهة تتحول إلى أولوية اقتصادية
تعكس الاستراتيجية الجديدة تحولاً في النظرة إلى مكافحة الفساد، من كونها مشروعاً رقابياً يهدف إلى تعزيز الحوكمة، إلى أداة لتحسين بيئة الأعمال وتعزيز تنافسية الاقتصاد الكويتي.
بحسب الهيئة العامة لمكافحة الفساد، جرى إعداد الاستراتيجية الجديدة بمشاركة أكثر من 70 جهة حكومية وغير حكومية، وأكثر من 250 مشاركاً، استناداً إلى تقييم شامل للاستراتيجية السابقة، وبما يتوافق مع اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد ورؤية الكويت 2035 وأفضل الممارسات الدولية.
ورغم تداول مسمى «استراتيجية 2027»، فإن البيانات الرسمية تشير إلى أن الوثيقة ما زالت في مراحلها النهائية، بعد أن بلغت نسبة إنجاز إعدادها نحو 44% عند آخر إعلان رسمي، على أن يبدأ تطبيقها بعد اعتمادها بصورة نهائية.
وسبق إعداد الاستراتيجية عدد من الإصلاحات التشريعية، أبرزها المرسوم بقانون رقم 69 لسنة 2025، الذي عزز صلاحيات هيئة «نزاهة»، ووسع نطاق تجريم الإثراء غير المشروع، ورفع مستوى حماية المبلغين، وأعاد تنظيم منظومة الإفصاح عن الذمة المالية، في خطوة هدفت إلى مواءمة التشريعات الكويتية مع المعايير الدولية الخاصة بمكافحة الفساد وغسل الأموال.
يرى الخبير الاقتصادي الكويتي نادر العبيد أن بناء منظومة النزاهة لا يمكن اختزاله في إصدار القوانين أو إطلاق الاستراتيجيات، موضحاً لـ«إرم بزنس» أن النزاهة «عملية مستمرة لا تنتهي خلال عام أو عامين، وإنما تحتاج إلى متابعة وتقييم دائمين طوال فترة وجود المسؤول في موقعه».
ويضيف أن التجربة البرلمانية الكويتية، رغم دورها الرقابي المهم، شهدت في بعض المراحل ممارسات أثرت سلباً في صورة المؤسسات العامة، وهو ما انعكس بصورة غير مباشرة على ثقة المستثمرين ببيئة الأعمال.
«زين» الكويتية تدخل سوق الاتصالات في سوريا برخصة تشغيل تمتد 20 عاماً
اللائحة الرمادية.. نقطة التحول
إذا كانت الاستراتيجية الجديدة تمثل الإطار الإصلاحي، فإن إدراج الكويت على اللائحة الرمادية يمثل نقطة التحول التي منحت هذه الإصلاحات بعداً اقتصادياً أكثر إلحاحاً.
فقد أدرجت مجموعة العمل المالي الدولي الكويت ضمن قائمة الدول الخاضعة للمتابعة المعززة في فبراير الماضي، بعد أن خلص تقييمها إلى الحاجة لاستكمال إصلاحات تتعلق بتعزيز الإبلاغ عن العمليات المشبوهة في قطاعات العقارات وتجارة المعادن والأحجار الكريمة، وتحسين سجل «الملكية المستفيدة» للشركات، وتعزيز فعالية التحقيقات والملاحقات في قضايا غسل الأموال ذات الطابع العابر للحدود.
ويزيد الإدراج مستويات التدقيق التي تفرضها المؤسسات المالية العالمية على التحويلات القادمة من الكويت، ويرفع كلفة الامتثال بالنسبة للبنوك والشركات، كما قد يطيل إجراءات تنفيذ بعض المعاملات المالية، وهو ما ينعكس بصورة غير مباشرة على بيئة الاستثمار، وفق ما تشير إليه تقارير اتحاد المصارف العربية.
وبذلك، أصبحت مكافحة غسل الأموال وتعزيز الشفافية جزءاً من تنافسية الاقتصاد الكويتي، وليس مجرد التزام تنظيمي، الأمر الذي يجعل نجاح الاستراتيجية الجديدة مرتبطاً أيضاً بسرعة استيفاء متطلبات الخروج من اللائحة الرمادية واستعادة الثقة الدولية بالقطاع المالي الكويتي.
لماذا لا تزال الاستثمارات متواضعة؟
وتتضح أهمية هذا المسار الإصلاحي بصورة أكبر عند النظر إلى أداء الاستثمار الأجنبي المباشر في الكويت، الذي لا يزال دون الطموحات مقارنة ببقية اقتصادات الخليج.
فوفقاً لبيانات الهيئة العامة لتشجيع الاستثمار المباشر، كما نقلتها جريدة «الجريدة» الكويتية، بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية الجديدة خلال السنة المالية 2024-2025 نحو 222.8 مليون دينار كويتي، مقابل 206.9 مليون دينار في السنة السابقة، بنمو يقارب 7.6%.
أما إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتراكمة منذ تأسيس الهيئة عام 2015، فلم يتجاوز 1.97 مليار دينار، وهو ما يمثل نحو 1.5% فقط من إجمالي الاستثمارات الأجنبية التي استقطبتها دول مجلس التعاون الخليجي خلال الفترة نفسها، بينما بلغ عدد الكيانات الأجنبية المرخصة 105 كيانات من 34 دولة.
وتعكس هذه الأرقام فجوة واضحة بين الكويت وبقية اقتصادات الخليج في استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، رغم الإمكانات المالية الكبيرة التي تمتلكها البلاد، ما يسلط الضوء على أهمية تحسين بيئة الأعمال إلى جانب الإصلاحات الرقابية.
يرى العبيد أن المشكلة لا تتعلق فقط بجذب المستثمر الأجنبي، وإنما أيضاً باستعادة ثقة رأس المال المحلي، موضحاً أن الأموال الكويتية المستثمرة في الخارج تُقدّر، بحسب تقديره، بأكثر من تريليون دينار، وأن إعادة جزء منها إلى الداخل قد يكون أكثر تأثيراً من جذب استثمارات جديدة، إذا ما نجحت الدولة في بناء بيئة استثمارية مستقرة وشفافة.
ويضيف أن المستثمر، سواء كان محلياً أو أجنبياً، يبحث قبل كل شيء عن وضوح القوانين، واستقرار المؤسسات، وسرعة الإجراءات، وهي عناصر لا تقل أهمية عن الحوافز الاستثمارية أو الإعفاءات الضريبية.
«غولدمان ساكس» يرتب لطرح عام أولي لـ«بوتيكات» في بورصة الكويت
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد إطلاق الاستراتيجية
وعلى صعيد مؤشرات الشفافية، حافظت الكويت في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 على 46 نقطة من أصل 100، وفقاً لما أعلنته منظمة الشفافية الدولية ونقلته وكالة الأنباء الكويتية (كونا)، وهو ما يعكس استقرار الأداء مقارنة بالسنوات الماضية، لكنه لا يشير في الوقت نفسه إلى تحسن ملموس في ترتيب الدولة عالمياً.
ويرى العبيد أن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على إصدار التشريعات، وإنما تتطلب تحديثاً لآليات العمل الحكومي، وتسريع التحول الرقمي، وتوسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قياس الأداء ورصد مواطن الخلل، بما يحد من فرص إساءة استخدام السلطة ويرفع كفاءة الخدمات العامة.
ويشير إلى أن الكويت كانت من أوائل دول المنطقة التي تبنت مشروع الحكومة الإلكترونية، إلا أن بطء التنفيذ حدّ من الاستفادة الكاملة من الرقمنة في مكافحة الفساد وتحسين جودة الخدمات، مؤكداً أن بناء ثقافة النزاهة يبدأ من رفع كفاءة المؤسسات وترسيخ مبدأ المساءلة، وليس فقط عبر تشديد العقوبات.
كما يدعو إلى تطوير حملات التوعية العامة باستخدام المنصات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة، بهدف تعزيز ثقافة حماية المال العام، معتبراً أن ترسيخ قناعة مجتمعية بأهمية النزاهة أكثر استدامة من الاقتصار على الردع القانوني.
"مارينا سوق شرق" على الواجهة البحرية في مدينة الكويت، 9 نوفمبر 2024.
اختبار اقتصادي لا رقابي
في جوهرها، لا تمثل الاستراتيجية الوطنية الجديدة لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد مجرد تحديث لوثيقة حكومية، بل تعكس تحولاً في طريقة النظر إلى مكافحة الفساد باعتبارها جزءاً من السياسة الاقتصادية للدولة.
فالخروج من اللائحة الرمادية سيشكل خطوة مهمة نحو استعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية، لكنه لن يكون كافياً بمفرده إذا لم يترافق مع إصلاحات أوسع في بيئة الأعمال، تشمل تسريع الإجراءات الحكومية، وتعزيز استقلالية المؤسسات، ورفع كفاءة الإدارة العامة، وتحسين مناخ الاستثمار.
وفي نهاية المطاف، لن يكون نجاح الاستراتيجية مرهوناً بعدد المبادرات التي تنفذها الجهات الحكومية أو بنسبة الإنجاز التي تحققها، وإنما بقدرتها على تحسين موقع الكويت في مؤشرات المخاطر الدولية، وتسريع خروجها من اللائحة الرمادية، واستعادة ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

