لم يعد تجهيز منتخب وطني للمنافسة في بطولات كبرى مثل كأس العالم لكرة القدم يقتصر على اختيار اللاعبين أو وضع الخطط الفنية، بل تحول إلى استثمار بملايين الدولارات يمتد أثره إلى قطاعات الاقتصاد المختلفة. فالحكومات باتت تنظر إلى كرة القدم باعتبارها أداة لتعزيز السياحة، وتطوير البنية التحتية، وترسيخ حضورها على الساحة العالمية، إلى جانب دعم جهود تنويع الاقتصاد.
ويواكب هذا التحول اتساع الطابع التجاري لكرة القدم، مع استمرار الاتحاد الدولي لكرة القدم، فيفا، في توسيع بطولاته، سواء من خلال كأس العالم 2026 أو النسخة الموسعة من كأس العالم للأندية.
وتعكس الأرقام هذا النمو المتسارع؛ إذ يتوقع فيفا، وفق أحدث تقاريره المالية، تحقيق إيرادات قياسية تبلغ 13 مليار دولار خلال دورة 2023-2026، مع إعادة توجيه أكثر من 90% من هذه الإيرادات إلى تطوير كرة القدم، وتمويل البطولات، ودعم الاتحادات الوطنية الأعضاء.
كما اقترح الاتحاد ميزانية بقيمة 17 مليار دولار للدورة التالية الممتدة بين عامي 2027 و2030، في خطوة تعكس النمو المتواصل في القيمة التجارية والاقتصادية لكرة القدم العالمية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه إيرادات فيفا تسجيل مستويات قياسية، ترتفع أيضًا تكلفة بناء منتخب وطني قادر على المنافسة على أعلى المستويات. فإعداد برنامج احترافي لمنتخب كرة قدم لم يعد يقتصر على النفقات التشغيلية التقليدية، بل يتطلب استثمارات سنوية كبيرة تختلف باختلاف طموحات كل دولة، وتبدأ عادةً من نحو 15 مليون دولار، وقد تتجاوز 100 مليون دولار سنويًا.
مستويات الإنفاق على المنتخبات الوطنية تختلف ميزانيات المنتخبات الوطنية بشكل كبير من دولة إلى أخرى، ما يجعل مشهد الإنفاق العالمي ينقسم إلى مستويات مالية متباينة خلال الدورة الاعتيادية لكأس العالم، الممتدة لأربع سنوات.
فئة النخبة (من 80 مليون دولار إلى أكثر من 150 مليون دولار سنويًا)
في قمة هذا التصنيف تأتي الاتحادات الأكثر ثراءً، مثل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم والاتحاد الفرنسي لكرة القدم، اللذين يمتلكان القدرة على تمويل برامجهما اعتمادًا على مواردهما التجارية الضخمة.
ويحقق الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم إيرادات إجمالية تتجاوز 650 مليون دولار (516 مليون جنيه إسترليني)، يعيد ضخ ما يصل إلى 200 مليون دولار منها في تطوير المنتخبات الوطنية، ومنظومات الأداء العالي، مثل مركز "سانت جورج بارك"، إلى جانب برامج اكتشاف وإعداد المواهب.
وعلى النهج نفسه، يعمل الاتحاد الفرنسي لكرة القدم بميزانية قياسية تتجاوز إيراداتها المتوقعة 350 مليون دولار (322 مليون يورو) خلال الدورة، مستفيدًا من قاعدة تجارية قوية.
ويعتمد هذا المستوى من الاتحادات بصورة رئيسية على التمويل الذاتي، عبر حقوق البث المحلية، وتراخيص الملاعب، وعقود الرعاية الكبرى. ويبرز في هذا السياق العقد القياسي الذي وقعه الاتحاد الفرنسي مع Nike، والذي تتجاوز قيمته 109 ملايين دولار (100 مليون يورو) سنويًا، ما يعكس القوة التجارية التي تتمتع بها هذه الاتحادات.
الفئة التنافسية المتوسطة (من 20 مليون دولار إلى 60 مليون دولار سنويًا)
تضم هذه الفئة الدول التي تنافس باستمرار على التأهل إلى كأس العالم أو تحافظ على حضور منتظم في البطولات الدولية، إذ تتراوح ميزانيات برامج منتخباتها الوطنية بين 20 مليونًا و60 مليون دولار سنويًا.
وتعتمد هذه الاتحادات عادةً على مزيج متوازن من التمويل الحكومي أو المنح الرياضية والرعاية التجارية، بما يقارب 50% لكل منهما، لضمان استمرارية برامجها الخاصة بمنتخبات النخبة.
ويُعد الاتحاد الكندي لكرة القدم من أبرز الأمثلة، إذ تشير تقديراته إلى ميزانية سنوية تبلغ نفقاتها نحو 55.4 مليون دولار، مع سعيه إلى تحقيق التوازن بين التكاليف المرتفعة لإعداد المنتخبات ومصادر الإيرادات الجديدة من حقوق البث والرعايات التجارية التي أُعيدت هيكلتها مؤخرًا.
وينطبق الأمر أيضًا على الاتحاد الأسترالي لكرة القدم، الذي حافظ على مدى سنوات على ميزانية أساسية بلغت نحو 60 مليون دولار، باستثناء الأعوام التي استضاف فيها بطولات كبرى. ويعتمد الاتحاد بدرجة كبيرة على المنح الحكومية والشراكات مع الشركات المحلية الكبرى لتمويل برامج منتخبي الرجال والسيدات، بما يضمن استمرارهما في المنافسة على أعلى المستويات الدولية.
الفئة الناشئة (من 5 ملايين دولار إلى 15 مليون دولار سنويًا)
في الطرف الآخر من المشهد، تعتمد الدول الناشئة كرويًا بدرجة كبيرة على الدعم الحكومي والمنح الدولية للحفاظ على استمرارية برامجها الكروية، في ظل محدودية الموارد التجارية مقارنة بالاتحادات الكبرى.
ولهذا الغرض، خصص فيفا 2.25 مليار دولار ضمن ميزانية دورة 2023-2026 لبرنامج "فيفا فورورد" (FIFA Forward)، الذي يمنح كل اتحاد من الاتحادات الأعضاء وعددها 211 اتحادًا ما يصل إلى 8 ملايين دولار في كل دورة، لتمويل البنية التحتية الأساسية، وتنظيم البطولات، وتطوير الفئات السنية، وتغطية النفقات التشغيلية.
ويجسد الاتحاد الزامبي لكرة القدم هذا النموذج، إذ يعمل بميزانية سنوية تبلغ نحو 8.3 مليون دولار (216 مليون كواشا زامبي)، يُمول نحو 38% منها عبر منح فيفا، بينما يعتمد الجزء الأكبر من التمويل المتبقي على الدعم الحكومي المخصص للقطاع الرياضي.
كما يندرج الاتحاد الهندي لكرة القدم ضمن هذه الفئة، إذ تتراوح ميزانيته السنوية بين 6 ملايين و11 مليون دولار، وهو ما يبرز حجم التحدي الذي تواجهه الاتحادات الناشئة في توظيف ميزانيات محدودة لتمويل معسكرات التدريب، وإدارة المسابقات المحلية، وتوفير فرص المشاركة على المستوى الدولي.
ما وراء اللاعبين... كيف تُنفق ميزانية المنتخب؟
قد تبدو قائمة اللاعبين هي العنصر الأكثر وضوحًا في أي منتخب وطني، لكن الجزء الأكبر من الإنفاق يُوجَّه في الواقع إلى منظومة متكاملة تعمل خلف الكواليس، بهدف إعداد فريق قادر على المنافسة في بطولات فيفا.
ويذهب عادةً ما بين 30% و35% من الميزانية السنوية إلى الأجهزة الفنية وشبكات اكتشاف المواهب، وهو بند يشمل رواتب المديرين الفنيين التي قد تبلغ ملايين الدولارات، إلى جانب محللي الأداء وشبكات الكشافين المنتشرة محليًا ودوليًا.
وتستحوذ الجوانب اللوجستية والسفر على ما بين 20% و25% من الميزانية، مع ما تتطلبه من رحلات جوية خاصة، وترتيبات أمنية، ومعسكرات إعداد متخصصة تساعد اللاعبين في التأقلم مع الظروف المناخية والبيئية في الدولة المستضيفة.
أما الرعاية الطبية والعلوم الرياضية ورفاهية اللاعبين، فتستحوذ على ما بين 15% و20% من إجمالي الإنفاق، وتشمل استثمارات في تقنيات العلاج بالتبريد، وبرامج التغذية الفردية، إلى جانب وثائق التأمين ذات التغطية المرتفعة، بما يعكس اتساع نطاق الإنفاق المطلوب لبناء.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من فوربس الشرق الأوسط
