الطائرة الإيرانية في صنعاء.. حين أسقط الحوثيون آخر أقنعة السيادة والسلام

القسم السياسي صحيفة عدن الغد

لم تكن الطائرة الإيرانية التي هبطت في مطار صنعاء مجرد رحلة جوية عابرة، ولم يكن الخلاف الذي أعقبها خلافًا فنيًا حول تصريح هبوط أو مسار ملاحي، بل كانت الواقعة إعلانًا سياسيًا مكتمل الأركان عن طبيعة المشروع الحوثي، وحقيقة علاقته بإيران، والمصير الذي يريد فرضه على اليمنيين.

لقد أرادت جماعة الحوثي من خلال إدخال طائرة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية إلى صنعاء أن تقول بوضوح إن العاصمة اليمنية لم تعد، من وجهة نظرها، جزءًا من دولة يمنية ذات سيادة، وإنما أصبحت منطقة نفوذ إيرانية مفتوحة، تتحرك فيها طهران جوًا وسياسيًا وأمنيًا دون الرجوع إلى مؤسسات الجمهورية اليمنية أو احترام مركزها القانوني.

وهنا تكمن خطورة الحدث.

فالمسألة لا تتعلق بطائرة واحدة هبطت ثم غادرت، بل بمحاولة افتتاح ممر جوي مباشر بين طهران وصنعاء، وإرساء قاعدة جديدة مؤداها أن إيران تستطيع التعامل مع المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين باعتبارها كيانًا منفصلًا عن الدولة اليمنية.

الرحلة التي كشفت المستور

في الثالث من يوليو 2026، هبطت طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية في مطار صنعاء، ثم نقلت وفدًا حوثيًا إلى طهران. ووفق الرواية التي بثتها وسائل إعلام الجماعة، حملت الطائرة في طريق وصولها أكثر من مئتي يمني، قبل أن تقل وفد الحوثيين للمشاركة في مراسم رسمية في إيران.

غير أن استخدام الحالات الإنسانية لنقل المرضى والعالقين لا يغير حقيقة الواقعة السياسية، ولا يمنح الجماعة حق التصرف بالمجال الجوي اليمني أو عقد ترتيبات دولية مستقلة عن الدولة.

لطالما استخدم الحوثيون المعاناة الإنسانية غطاءً لتمرير خطوات سياسية وعسكرية خطيرة. يرفعون شعار رفع الحصار بينما يحتجزون الطائرات، ويتحدثون عن حق المرضى في السفر بينما يعطلون الناقل الوطني، ويطالبون بفتح مطار صنعاء ثم يسعون إلى تسليمه عمليًا لشركة إيرانية مرتبطة بمشروع طهران الإقليمي.

لم يكن اليمنيون يومًا ضد تشغيل مطار صنعاء، ولا ضد سفر المرضى والطلاب والعالقين. الحكومة نفسها وافقت منذ بدء الهدنة في أبريل 2022 على تشغيل رحلات منتظمة عبر المطار، وجرى تسيير الرحلات بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان بواسطة الخطوط الجوية اليمنية.

لكن الحوثيين لم يكونوا يريدون مطارًا يخدم اليمنيين تحت إطار الدولة، بل أرادوا مطارًا يخدم مشروعهم خارج إطارها.

لماذا «ماهان» تحديدًا؟

اختيار شركة «ماهان» لم يكن أمرًا بريئًا أو مصادفة تجارية.

فالشركة ليست مجرد ناقل مدني إيراني اعتيادي. وزارة الخزانة الأميركية سبق أن اتهمتها بدعم فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ونقل أفراد ومعدات وأموال وأسلحة ضمن العمليات الإقليمية الإيرانية، وحذرت من مخاطر التعامل التجاري معها.

وبالتالي، فإن محاولة إدخال شركة كهذه إلى مطار صنعاء تحمل دلالات تتجاوز نقل الركاب.

إنها محاولة لنقل النموذج الإيراني الذي استُخدم في ساحات إقليمية أخرى إلى اليمن؛ طيران يبدو مدنيًا في الظاهر، لكنه يتحول، عند الحاجة، إلى جزء من شبكة سياسية ولوجستية وأمنية تخدم الحرس الثوري ووكلاءه.

ومن حق اليمنيين أن يسألوا: لماذا يصر الحوثيون على شركة إيرانية خاضعة للعقوبات، بينما توجد شركة الخطوط الجوية اليمنية، الناقل الوطني المملوك للدولة اليمنية؟

ولماذا يرفضون الترتيبات التي تسمح بتشغيل الرحلات عبر «اليمنية»، ثم يقدمون «ماهان» باعتبارها الحل الإنساني؟

الإجابة واضحة: لأن القضية ليست سفر المواطنين، وإنما تكريس الارتباط بإيران، وانتزاع ملف جديد من ملفات السيادة اليمنية، وتحويله إلى أداة بيد الجماعة.

استهداف متعمد للخطوط الجوية اليمنية

سبق لجماعة الحوثي أن استولت خلال عام 2024 على أربع طائرات تابعة للخطوط الجوية اليمنية، وعطلت نشاط الشركة، وجمدت أرصدتها في البنوك الواقعة تحت سيطرتها، ومنعتها من استخدام مواردها المالية لتطوير أسطولها والوفاء بالتزاماتها.

وبحسب مجلس القيادة الرئاسي، أدت مغامرات الحوثيين العسكرية لاحقًا إلى تدمير تلك الطائرات وإلحاق أضرار جسيمة بمقدرات الشعب اليمني. كما أكد المجلس أن الجماعة رفضت المبادرات الحكومية لتشغيل رحلات تجارية من صنعاء بواسطة «اليمنية»، وأصرت على إحلال شركة «ماهان» مكان الناقل الوطني.

هذه الوقائع تظهر أن الحوثيين لم يكونوا يبحثون عن شركة بديلة بسبب عجز «اليمنية» عن التشغيل، بل عملوا أولًا على إضعاف الشركة اليمنية واحتجاز طائراتها وأموالها، ثم تحركوا لإدخال الشركة الإيرانية.

إنه استهداف ممنهج، يبدأ بتعطيل المؤسسة الوطنية، وينتهي بتسليم وظيفتها لمؤسسة تابعة للدولة الراعية للجماعة.

فكما سعى الحوثيون إلى استبدال مؤسسات الجمهورية بأجهزة موازية، والعملات الوطنية بترتيبات مالية خاصة، والمناهج التعليمية بأفكارهم الطائفية، يسعون اليوم إلى استبدال الناقل الوطني اليمني بناقل إيراني.

هذه ليست إدارة دولة، بل تفكيك منظم للدولة وإعادة تركيبها بما يلائم المشروع الإيراني.

موقف مجلس القيادة.. استعادة لغة السيادة

جاء موقف مجلس القيادة الرئاسي هذه المرة واضحًا وحاسمًا مقارنة بكثير من المواقف السابقة.

فقد عقد المجلس اجتماعًا استثنائيًا برئاسة الدكتور رشاد العليمي وبحضور جميع أعضائه ورئيس الوزراء، ورفض الطلب الإيراني بتسيير رحلة جديدة تابعة لشركة «ماهان» من طهران إلى صنعاء لإعادة العناصر الحوثية التي غادرت على متن الرحلة السابقة.

ولم يكتف المجلس بالرفض، بل طرح بديلًا عمليًا يتمثل في إعادة هؤلاء عبر طائرة تستأجرها الخطوط الجوية اليمنية، باعتبارها الناقل الوطني الشرعي.

كما أكد أن الحكومة والقوات المسلحة ستتخذان جميع الإجراءات السياسية والدبلوماسية والعسكرية التي يكفلها الدستور والقانون الدولي لمنع أي محاولة جديدة لانتهاك السيادة اليمنية، وحمّل إيران والحوثيين المسؤولية عن تداعيات الاستمرار في هذه الانتهاكات.

تكمن أهمية هذا الموقف في أنه أعاد تعريف القضية بصورة صحيحة.

فالخلاف ليس بين شركتي طيران، ولا بين صنعاء وعدن حول أولوية تشغيل الرحلات، وإنما بين دولة معترف بها دوليًا وبين جماعة مسلحة تحاول الاستيلاء على صلاحيات الدولة السيادية ومنحها لدولة أجنبية.

كذلك، فإن حديث المجلس عن الإجراءات العسكرية إلى جانب الأدوات السياسية والدبلوماسية بعث برسالة مهمة مفادها أن التمسك بالسلام لا يعني قبول انتهاك السيادة، وأن حرص الحكومة على تخفيف معاناة المواطنين لا يمنح الحوثيين حق تحويل التنازلات الإنسانية إلى مكتسبات استراتيجية لإيران.

السلام لا يعني الاستسلام

منذ انقلاب الحوثيين، قدمت الحكومة اليمنية تنازلات ومبادرات متعددة أملاً في الوصول إلى تسوية سياسية تنهي الحرب وتخفف معاناة الناس.

وافقت على الهدنة، وفتحت مطار صنعاء، وسهلت دخول السفن إلى الحديدة، ودخلت في مفاوضات بشأن الطرق والرواتب والأسرى، وتعاملت بإيجابية مع المساعي الأممية والإقليمية.

لكن جماعة الحوثي تعاملت مع كل مبادرة باعتبارها فرصة للحصول على مكسب جديد، لا خطوة متبادلة في طريق السلام.

حين فُتح المطار، لم تتعامل معه باعتباره مرفقًا وطنيًا لخدمة المواطنين، بل باعتباره بوابة لبناء علاقة جوية مستقلة مع إيران.

وحين حصلت على تسهيلات في ميناء الحديدة، لم تحول الإيرادات إلى رواتب الموظفين وفق التفاهمات، بل استمرت في توظيف الموارد لخدمة سلطتها.

وحين هدأت الجبهات، لم تتجه إلى التسوية، بل عززت قواتها، ووسعت قدراتها الصاروخية، وربطت اليمن بصورة أعمق بصراعات المنطقة.

لهذا فإن موقف مجلس القيادة من الطائرة الإيرانية ينبغي ألا يُفهم باعتباره تراجعًا.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة عدن الغد

منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
نافذة اليمن منذ 9 ساعات
المصدر أون لاين منذ 8 ساعات
صحيفة عدن الغد منذ 17 ساعة
صحيفة عدن الغد منذ ساعتين
المشهد العربي منذ 6 ساعات
نافذة اليمن منذ 12 ساعة
عدن تايم منذ 22 ساعة
عدن تايم منذ 11 ساعة