لم تعد إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية الموجودة في العاصمة المؤقتة عدن ومحيطها مسألة إدارية يمكن تأجيلها، أو خطوة تنظيمية تقتصر على تغيير أسماء الوحدات وقادتها، بل أصبحت ضرورة ترتبط مباشرة بمستقبل الدولة واستقرار المدينة وقدرة الحكومة على ممارسة سلطاتها. فالدولة لا تستطيع أن تستعيد حضورها بينما تظل داخل مناطق سيطرتها تشكيلات عسكرية وأمنية تدين بولائها السياسي أو التنظيمي لجهة خارج التسلسل الرسمي لوزارتي الدفاع والداخلية. وتجربة السنوات الماضية أظهرت أن تعدد الولاءات داخل المدينة الواحدة لا ينتج توازنًا مستقرًا، وإنما يؤسس لسلطات متوازية، ويجعل قرار الحرب والسلم والانتشار والاعتقال وحماية المؤسسات خاضعًا لحسابات متعارضة. وقد ظل تفكك القوى المناهضة لمليشيا الحوثي أحد أبرز أوجه الضعف في المعسكر الحكومي، إذ أشارت تقارير دولية إلى أن الانقسامات بين مكونات هذا المعسكر أعاقت قدرة مجلس القيادة الرئاسي على توحيد السلطة والقرار العسكري.
المشكلة الأساسية ليست في الأفراد المنتسبين إلى هذه القوات، ولا في المناطق التي ينحدرون منها، ولا في مواقفهم السابقة خلال الحرب، فآلاف الجنود والضباط أدوا أدوارًا مهمة في مواجهة مليشيا الحوثي والتنظيمات الإرهابية وحماية المدن. المشكلة تكمن في بقاء هذه القوات ضمن هياكل تأسست على أساس الولاء لتكوين سياسي بعينه، وربط بقائها وتسليحها وتحركاتها بمشروع ذلك التكوين، بدلًا من خضوعها لعقيدة وطنية موحدة ودستور وقوانين عسكرية واضحة. الجندي الذي يتلقى راتبه من الدولة ويحمل سلاحًا باسمها يجب أن يعرف أن قائده الأعلى هو القيادة الشرعية، وأن أوامره تصدر عبر وزارة الدفاع أو وزارة الداخلية، لا عبر دائرة حزبية أو قيادة سياسية موازية. بقاء هذا الالتباس يحوّل المؤسسة العسكرية من أداة لحماية النظام العام إلى طرف في الصراع السياسي، ويضع الجندي نفسه أمام ولاءات متناقضة قد تقوده إلى مواجهة قوات حكومية أخرى بدلًا من توجيه جهده نحو التهديد الحقيقي الذي تمثله مليشيا الحوثي.
لقد أثبتت أحداث الأعوام الماضية أن امتلاك أي كيان سياسي لقوة عسكرية مستقلة يمنحه القدرة على تعطيل مؤسسات الدولة كلما تعارضت قراراتها مع مصالحه. وفي هذه الحالة يصبح الوزير والمحافظ ومدير الأمن والمسؤول الإداري عاجزين عن تنفيذ قراراتهم من دون موافقة القوة المسيطرة على الأرض، حتى لو كانت تلك القوة تحمل مسميات رسمية. وهنا ينشأ أخطر أشكال الازدواج: حكومة معترف بها دوليًا من جهة، وسلطة فعلية تملك السلاح والنقاط والمقرات من جهة أخرى. هذا النموذج لا ينتج دولة، بل ينتج تسويات مؤقتة قابلة للانهيار مع أول خلاف سياسي. وقد شهدت الساحة اليمنية في أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026 مواجهة واسعة بين الحكومة والمجلس الانتقالي، انتهت باستعادة القوات الحكومية مناطق كانت قد سيطرت عليها تشكيلات المجلس، وهو ما كشف حجم الخطر الناتج عن استمرار قوتين تتنازعان القرار داخل المعسكر نفسه.
إعادة الهيكلة مطلوبة أيضًا لحماية عدن من تكرار دورات الاقتتال الداخلي. فالمدينة دفعت خلال السنوات الماضية ثمن الصراعات بين القوى التي يفترض أنها تقف في خندق واحد، وتحولت في أكثر من محطة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية. وكلما بقيت القوات موزعة بين قيادات ومراكز نفوذ مختلفة ظل احتمال الانفجار قائمًا، حتى لو بدت الأوضاع هادئة لفترة. الهدوء الذي يعتمد على توازن الخوف بين تشكيلات مسلحة ليس استقرارًا، بل هدنة غير معلنة. أما الاستقرار الحقيقي فيبدأ عندما تصبح جميع الوحدات جزءًا من مؤسسة واحدة، وتنتشر بناء على خطة أمنية موحدة، وتخضع لغرفة عمليات واحدة، وتُحاسب أمام نيابة وقضاء عسكريين، وتلتزم بقواعد واضحة في استخدام القوة والاعتقال والتفتيش وحماية الممتلكات العامة والخاصة.
ولا يمكن للحكومة أن تطلب من المواطنين احترام القانون بينما توجد قوى مسلحة لا تخضع بالكامل للقانون نفسه. عندما تتعدد الجهات التي تملك السجون والنقاط والأطقم والأسلحة الثقيلة، يصبح المواطن عاجزًا عن معرفة الجهة المسؤولة عن حمايته أو عن أي انتهاك قد يتعرض له. وتضيع المسؤولية بين عدة أجهزة، ويصبح كل طرف قادرًا على إنكار علاقته بالواقعة أو إحالتها إلى جهة أخرى. إعادة الهيكلة ستضع حدًا لهذا الغموض، لأنها ستحدد بصورة دقيقة من يملك سلطة الضبط والاعتقال والتحقيق، ومن يتحمل المسؤولية عن أي تجاوز. كما ستجعل سجل كل جندي وضابط معروفًا، وتمنع استمرار ظاهرة الأسماء الوهمية والازدواج الوظيفي والرتب التي منحت خارج المعايير العسكرية، وهي اختلالات تستنزف المال العام وتضعف كفاءة الوحدات.
الحاجة إلى إعادة الهيكلة لا تنفصل عن معركة الخدمات والاقتصاد. قد يبدو الملف العسكري بعيدًا عن الكهرباء والمياه والرواتب والاستثمار، لكنه في الحقيقة يقع في قلبها. فالمستثمر لن يضع أمواله في مدينة تتعدد فيها مراكز القوة، والتاجر لن يشعر بالأمان إذا كان يمكن لأكثر من جهاز أن يوقف شاحنته أو يفرض عليه توجيهات مختلفة، والمنظمات الدولية لن توسع أعمالها في بيئة تتكرر فيها الاغتيالات والحوادث الأمنية. وقد حذرت تحليلات حديثة من أن استمرار الاغتيالات والاضطراب في عدن يضر بثقة المواطنين والمنظمات بقدرة الحكومة على حفظ الأمن. ومن دون جهاز أمني مهني وموحد، ستظل الحكومة تنفق مواردها على معالجة الأزمات بدلًا من تمويل التنمية، وستبقى الخدمات رهينة التوترات والتحشيدات والإغلاقات والانتشار المسلح.
كما أن إعادة الهيكلة ضرورة لتعزيز المعركة الوطنية ضد مليشيا الحوثي. فمن غير المنطقي أن تبقى القوى المناهضة للمليشيا موزعة بين جيوش صغيرة، لكل منها قيادتها وعقيدتها ومصادر دعمها وخطابها السياسي. هذا التشتت يمنح مليشيا الحوثي أفضلية استراتيجية، لأنها تواجه خصومًا لا يملكون قيادة موحدة ولا خطة عمليات مشتركة. وكل قوة تحتفظ بجزء من السلاح والمال والقرار.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة عدن الغد
