مدحت نافع يكتب: حين يجلس الحكم على مقاعد المدربين

لا يكره أحد أن يكون الحكم قويًا، حازمًا، أو حتى صارمًا فى تطبيق القانون. لكن اللعبة - أية لعبة- تفقد معناها عندما يغادر رقيبها موقعه ليجلس على مقاعد المدربين، يختار التشكيل، ويضع الخطة، ويحدد التبديلات، ثم يعود ليحكم على نتائج القرارات التى شارك فى صناعتها. فالمشكلة هنا ليست فى نزاهة الحكم أو كفاءته، وإنما فى اختفاء المسافة المؤسسية التى تجعل الرقابة ممكنة أصلًا.

وكما أن الحكم لا يستطيع أن يحكم مباراة شارك فى وضع خطتها، فإن الأجهزة الرقابية لا تستطيع أن تؤدى رسالتها إذا أصبحت جزءًا من الإدارة التى تراقبها. فالحوكمة الرشيدة تقوم على الفصل بين الوظائف، لا على جمعها؛ لأن قوة الرقيب لا تنبع من اتساع نفوذه، وإنما من استقلاله عن القرار الذى يراجعه.

ولا يحدث هذا التحول دائمًا بصورة مباشرة. فقد تتوسع بعض الجهات الرقابية فى التأثير على القرارات التشغيلية أو الاستثمارية أو التمويلية للجهات الخاضعة لرقابتها، فتتحول من مراقبة القرار إلى المشاركة فى صنعه. وقد يحدث بصورة أكثر خطورة عندما يصبح لها تأثير حاسم فى اختيار القيادات التنفيذية، فتنتقل المرجعية العملية للمسؤول التنفيذى إليها، ويتوزع ولاؤه بين أكثر من مركز للتوجيه بدلًا من انتمائه إلى فريق حكومى واحد.

وهنا تظهر معضلة الحوكمة الحقيقية. فمن غير المنطقى أن يحمل رئيس الحكومة -مثلاً- مسؤولية أداء فريق لم يكن له الدور الحاسم فى اختياره، كما لا يمكن مساءلة وزير عن نتائج سياسة لا يمتلك كامل أدواتها أو لا تكون له الكلمة الأخيرة فى تشكيل فريقه القيادى. فالسلطة والمسؤولية لا تنفصلان، وكلما انفصلتا ضعفت المساءلة واختلت المؤسسات. فالوزير الذى يشعر بأن استمراره فى موقعه يرتبط برضا جهة تقع خارج السلسلة التنفيذية، سيصبح أكثر ميلًا إلى تجنب ما قد يثير تحفظاتها، حتى لو كان القرار المطروح هو الأكثر كفاءة من الناحية الاقتصادية أو الإدارية.

وقد شهدت التجارب الدولية ثمن هذا الخلط فى الأدوار. ففى الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، تعرضت وكالات التصنيف الائتمانى لانتقادات غير مسبوقة بعدما كشف نموذج عملها عن تضارب جوهرى فى المصالح؛ إذ كانت تمنح تقييماتها لمنتجات مالية تصدرها مؤسسات تتقاضى منها المقابل المالى. وقبل ذلك بسنوات، كشفت فضيحة شركة «إنرون» كيف يمكن أن يؤدى الجمع بين دور المراجع الخارجى ودور المستشار الإدارى، كما حدث مع شركة «آرثر أندرسون»، إلى انهيار أحد أهم خطوط الدفاع عن نزاهة الأسواق. وفى الحالتين، لم يكن الخلل فى نقص المعلومات أو غياب التشريعات، بل فى تآكل الحدود الفاصلة بين الأدوار؛ إذ أصبح الرقيب شريكًا فى القرار الذى يُفترض أن يراجعه. فالرقابة لا تفقد قيمتها عندما تخطئ، وإنما عندما تصبح طرفًا فى القرار الذى يُفترض أن تحاسبه.

ومن عجب أن كثيرًا من الدول ذات الطابع المركزى.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة المصري اليوم

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة المصري اليوم

منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 5 ساعات
صحيفة المصري اليوم منذ 8 ساعات
مصراوي منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 5 ساعات
صحيفة اليوم السابع منذ 15 ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 8 ساعات
موقع صدى البلد منذ ساعتين
صحيفة اليوم السابع منذ ساعة
صحيفة المصري اليوم منذ 12 ساعة