الإبدال القيمي المطلوب في المجتمع السعودي اليوم 6

التحولات الكبرى في المجتمعات البشرية هي تحولات في معنى الأشياء ومقاديرها: ما الذي يرفعه المجتمع إلى منزلة الفضيلة؟ وما الذي ينزعه من مقام الاحترام؟ ولمن يمنح ثقته؟ وبأي معيار يزن النجاح والاستحقاق؟ هنا تقع المسألة القيمية في قلب التحول السعودي؛ لأن الدولة تستطيع أن تغير شكل الحياة بقرار، لكنها لا تغير معناها في النفوس إلا حينما تتغير منظومة الثواب والعقاب، والقبول والرفض، داخل الأسرة والمدرسة والمسجد وعبر مفاهيم الدين والتعليم والتربية والإدارة والإعلام، أي الضميمة التي تحويها الثقافة بجانب الإرث والفلكلور وما إلى ذلك من مفردات الثقافة.

ولذلك فالإبدال القيمي الذي نحتاجه اليوم ليس خلعًا للمجتمع من جلده، ولا اقتلاعًا لتدينه وأعرافه، ولا استيرادًا متعجلًا لقيم تشكلت في سياقات أخرى؛ وإنما هو إعادة ترتيب لسلم القيم، واستنقاذ لقيمنا الأصيلة من وظائف ألصقت بها حتى حجبت جوهرها، فالقيمة قد تبقى باسمها، بينما يتغير مضمونها، حينما تتحول الطاعة من خضوع للأشخاص إلى احترام للنظام، ويتحول الولاء من عصبية للقبيلة والقرابة والجماعة إلى إخلاص للوطن، ويتحول التدين من سلطة على الناس إلى وازع أخلاقي ووازع وطني -وركز على الوازع الوطني- ويتحول الكرم من استعراض اجتماعي إلى عطاء منتج ومسؤول.

وهذه الفكرة وثيقة الصلة بإشكالية الهوية الوطنية؛ فالهوية ليست حجرًا تاريخيًا نضعه في متحف ونحرسه من الزمن، بل بناء حي يحتفظ بأصوله ويعيد تعريف نفسه كلما تغيرت شروط الحياة، وقد بينت دراسة حسن المومني ومحمد عيادات وعماد المديفر، «إشكالية الهوية بين النظرية والتطبيق: المملكة العربية السعودية كحالة دراسية»، المنشورة في مجلة «دراسات: العلوم الإنسانية والاجتماعية»، سنة 2023، أن الهوية السعودية تشكلت من تفاعل ديني واجتماعي وسياسي واقتصادي، وأن التحولات الراهنة تدفع مظهرها العام نحو وطنية أكثر انفتاحًا وتعددًا، والأهم في الدراسة تنبيهها الصريح إلى ما ينبغي أن يحكم هذا الانتقال: «يجب تجنب إعطاء الانطباع أن الهوية الوطنية الناشئة هي إحلالية أو إقصائية».

وهذا تنبيه في غاية الدقة؛ لأن الوطنية الجديدة لا تنجح إذا أعلنت الحرب على مكونات السعودية القديمة، بل حين تجمعها في ترتيب جديد، تكون فيه السعودية المرجعية الجامعة، ويكون الدين باعثًا للضمير لا أداةً للاحتكار، وتظل القبيلة والعائلة دائرتي مودة وتكافل، لا سلطتين تنازعان الدولة حقها أو تهزمان العدالة والكفاءة.

لقد عاش المجتمع السعودي عقودًا تحت أثر الصحوة التي لم تكتف بالدعوة الدينية، بل أرادت إعادة تشكيل المجال العام كله وفق تصورها، فاختزلت الفضيلة في المنع، والالتزام في المظهر، والنجاة في الانفصال عن العالم، وجعلت الشك في المختلف أقرب من التعرف إليه، ولم يكن خطرها في تشدد بعض فتاواها وحده، بل في منظومتها القيمية التي قدمت الانتماء التنظيمي على الانتماء الوطني، والامتثال على التفكير، وحراسة المجتمع على خدمته، والخوف من المستقبل على الإسهام في صناعته.

غير أن انحسار الصحوة القديمة لا يضمن وحده ولادة الوعي الجديد، فكل موجة غلو تترك وراءها احتمال غلو مضاد؛ وقد تنشأ «صحوة ارتدادية» -وقد كان- ترى أن نقيض التشدد هو التخفف من كل قيد، وأن التحرر لا يكتمل إلا بالسخرية من الموروث، وأن الحداثة تقاس باتساع الاستهلاك وملاحقة الصرعات، وإذا كانت الصحوة الأولى تقول للفرد: لا تفكر، امتثل؛ فإن الصحوة الارتدادية تقول له: لا تفكر، استهلك، وكلتاهما تسلبانه استقلاله؛ هذه باسم الفضيلة، وتلك باسم الحرية.

ومن هنا لا يكون التغيير الثقافي المطلوب انتقالًا من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
صحيفة عاجل منذ 13 ساعة
صحيفة عاجل منذ 10 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 15 ساعة
قناة الإخبارية السعودية منذ 9 ساعات
خليج الديرة منذ 9 ساعات
صحيفة سبق منذ 5 ساعات
صحيفة سبق منذ 14 ساعة
صحيفة سبق منذ 6 ساعات