يتطلع سوريا ولبنان إلى صفحة جديدة في العلاقات الاقتصادية، مع مساعٍ لإعادة تنشيط التجارة والاستثمار بعد سنوات من التراجع، وسط آمال برفع حجم التبادل التجاري من نحو 250 مليون دولار حالياً إلى مستويات المليار دولار، مدفوعة بعودة حركة السلع والاستثمارات وفتح أسواق جديدة بين البلدين.
هذا الطموح المشترك، يرى خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، أنه يحتاج 3 خطوات استراتيجية تتمثل في تعزيز نقاط القوة الاقتصادية بالبلدين وتحديث الأطر القانونية والمناطق الحرة وإنهاء اقتصاد الظل والتهريب، متوقعين فترة زمنية تصل لـ3 سنوات لكسر حاجز المليار الأول حال تمت مواجهة تحديات منها عدم التحديث السريع للبنية التحتية والعمل على إصلاحات مالية سريعة، ولا سيما في لبنان.
لبنان وسوريا يراجعان اتفاقات تجارية تمهيداً لبدء مرحلة جديدة
تحركات لإحياء العلاقات الاقتصادية
منتصف الشهر الجاري، قال وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط، إن بيروت ودمشق ستبدآن في الأشهر المقبلة مراجعة اتفاقات تجارية تعود إلى عقود مضت بهدف إحياء علاقاتهما الاقتصادية عقب الإطاحة ببشار الأسد في 2024.
البساط، أكد لـ«رويترز» أن البلدين قد يسعيان في نهاية المطاف إلى إبرام اتفاق تجاري ثنائي أوسع نطاقاً، بعد يوم واحد من إجراء محادثات مع نظيره السوري في دمشق.
ويشترك لبنان مع سوريا في حدود طولها 375 كيلومتراً من الشمال والشرق، ويعتمد على الطرق البرية السورية لنقل صادراته بالشاحنات إلى الأردن ودول الخليج.
كما استخدم المصدرون السوريون لبنان كممر تصدير رئيسي، ولا سيما خلال الحرب التي استمرت 14 عاما وانتهت بالإطاحة بالأسد.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في ذروته نحو 800 مليون دولار. وذكر البساط أن حجم التجارة بلغ نحو 250 مليون دولار في العام الماضي، مضيفاً أن هذه العلاقة «ينبغي أن تُقاس بالمليارات» بدلاً من ذلك.
وفي خطوة أولى، ستراجع لجنة تشكلت في أوائل يوليو أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم مبرمة مع سوريا في عهد الأسد، وتغطي أطر الاستثمار وأنظمة التأشيرات والضرائب وجوانب أخرى من التجارة السورية اللبنانية.
منظر عام يظهر الميناء البحري اللبناني في العاصمة بيروت، يوم 1 نوفمبر 2023.
حجم التبادل التجاري معيار قوة العلاقات الاقتصادية
يرى أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن مراجعة أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم، سيشكل نقطة تحول جوهرية في ملف العلاقات الاقتصادية الثنائية بين البلدين، وكسر حاجز المليار دولار في المعاملات التجارية، مؤكداً أن الطموح اللبناني برفع حجم التبادل التجاري ليس مجرد أمنية سياسية، بل هو ضرورة اقتصادية حتمية لكلا البلدين.
وحول آليات تحقيق هذا المستهدف، حدد عزوز 3 خطوات استراتيجية، أولها استغلال التكامل الطبيعي بين الاقتصادين، مؤكداً ضرورة الاستفادة من نقاط القوة في كلا البلدين؛ فلبنان يمتلك قطاعات قوية قابلة للتصدير إلى سوريا، ولا سيما في الصناعات الدوائية، المواد الغذائية المصنعة، الخدمات اللوجستية، وقطاع الخدمات الاستشارية. وفي المقابل، تتمتع سوريا بقاعدة زراعية وصناعية واسعة، خاصة في مجالات الأقمشة، مواد البناء، والمنتجات الغذائية.
وثاني تلك الخطوات، بحسب أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق عبد القادر عزوز، تحديث الأطر القانونية والمناطق الحرة، حيث إن الأمر ليس فقط إعادة هيكلة الاتفاقيات، بل تحديثها لتشمل إنشاء مناطق اقتصادية حرة مشتركة على الحدود، والعمل على إلغاء الازدواج الضريبي، وتوحيد معايير المطابقة والمواصفات للمنتجات لضمان انسيابية الحركة التجارية.
وشدد عزور في المحدد الثالث على ضرورة العمل الجاد لإنهاء ما يُسمى بـ«تجارة اقتصاد الظل»، حيث يتم جزء كبير من التبادل التجاري الحالي عبر التهريب أو القنوات غير الرسمية لتجنب الرسوم، داعيا في هذا الصدد إلى تبسيط الإجراءات الجمركية وخفض الضرائب للمساهمة في تحويل هذه التجارة إلى المسار الرسمي.
وعن التحديات التي تعيق استكمال هذه العملية، يرى عزوز أنها تتمثل في استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، والانهيار المالي والمصرفي في لبنان، الذي يواجه أزمة سيولة حادة تضعف قدرته على تمويل التجارة، مما يجعل إصلاح القطاع المالي اللبناني تحدياً أساسياً، فضلا عن تهالك البنية التحتية اللوجستية عند الحدود، حيث تعاني المعابر الحدودية (مثل معبري جديدة يابوس ونصيب) من تدهور في بنيتها التحتية وطول أمد إجراءات التخليص، مما يشكل عائقاً أمام تدفق البضائع.
وأكد أستاذ الاقتصاد في جامعة دمشق أن النهوض بالعلاقات التجارية يتطلب حزمة من الإجراءات اللوجستية والتقنية الضرورية، عبر توفير موانئ جافة، وطرق سريعة مؤهلة، بالإضافة إلى اعتماد أنظمة جمركية رقمية متطورة، تهدف إلى تقليص وقت انتظار الشاحنات على الحدود من عدة أيام إلى ساعات معدودة.
وحول التوقعات المستقبلية لنتائج هذه الخطوات، أشار إلى أنه من المتوقع، في حال تم مواجهة التحديات القائمة بنجاح، أن يبدأ جني ثمار ارتقاء التبادل التجاري إلى مستويات أعلى خلال فترة زمنية تتراوح ما بين الآن وحتى ثلاثة أعوام.
وزير المالية اللبناني لـ«إرم بزنس»: خطة تقشفية مقبلة لوقف نزيف الحرب
تحديات في الاتجاهين
تشير الباحثة الاقتصادية اللبنانية محاسن مرسل، في حديث لـ«إرم بزنس»، إلى أهمية التريث في تقدير حجم التعاون الاقتصادي بين لبنان وسوريا، مشيرة إلى أنه لا يمكن الجزم في الوقت الراهن بالحديث عن استثمارات بقيمة مليار دولار بين البلدين، وذلك في ظل استمرار وجود العديد من هذه المعوقات.
وأوضحت مرسل أن سوريا تمثل اليوم سوقاً واسعة وواعدة للاستثمارات بمختلف أنواعها، سواء على صعيد البنى التحتية أو الاستثمارات في القطاعات والمصانع التجارية وغيرها من المجالات.
وأشارت أن المرحلة الحالية تشهد صياغة علاقات ندية جديدة، يتم رسم ملامحها من خلال تشكيل لجان مشتركة ومجالس أعمال بين لبنان وسوريا، بهدف البحث عن الاستفادات المتبادلة من كلا السوقين، وتبادل الخبرات، وإنشاء أنظمة تحكيم دولية، ومعالجة ملف الإيداعات المالية.
وتخلص الباحثة الاقتصادية اللبنانية إلى أنه من المبكر الحديث عن أرقام مثل المليار دولار في المعاملات التجارية قبل تذليل العقبات القائمة، مثلا الودائع السورية بلبنان.
ولا يوجد رقم رسمي بشأن حجم الودائع السورية العالقة في المصارف اللبنانية وتترواح التقديرات بنحو 10 إلى 20 مليار دولار وتصل إلى نحو 40 ملياراً، وتفاقمت الأزمة بعد الانهيار المالي الذي حل بلبنان في 2019.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

