لا يمكن أن يخطىء عاقلٌ ماهيةَ أحداث هذه الأيام. نعم هناك أشياءٌ ما تدور فى جحور الأفاعى. هجومٌ عنيف وتطاولٌ مبتذل تتعرض له قيادة مصر والمؤسسات المصرية. حالة رقص إعلامى هستيرى تسيطر على الأذرع الإعلامية لجماعة الخيانة الإخوان المسلمون سابقا - سواء فى خارج مصر أو على صفحات الأتباع والبهاليل فى داخل مصر. بعض المحسوبين على النخبة المثقفة التى ابتليت بهم مصر أصبحوا مثل الوريقات المتساقطة الجافة يعبث بها أى فحيحٍ موجه. محاولة (خلق حالة نفسية) وتصديرها للمصريين عبر تلاقى خطوطٍ أصبحنا نعرف أولها وآخرها دون أى جهد. هذه الحالة الوهمية المراد تصديرها للمصريين أن مصر على حافة الهاوية، وأن إرهاصات تكرار يناير 2011م بدأت تلوح فى الأفق، وعادت العبارة - التى أثبتت عبثيتها الوقائعُ والسنوات - الإجابة تونس على ألسنة المصابين بعمى البصيرة وفقدان العقل والمنطق!
(1)
ما الذى حدث فجأة وسبّب كل هذا التهييج لجحور الأفاعى؟ هم لم يتوقفوا عن الفحيح منذ سحق الجحور الكبرى بما فيها من أفاعٍ وحيات فى مصر، هذه حقيقة، لكننا اعتدنا على موجات هيجان فجائية من وقتٍ لآخر. من واقع الخبرات المتركمة عبر ثلاثة عشر عاما، فلقد أصبحتْ هذه الموجات الهستيرية تسعدنى جدا لأنها تكون دائما ردَ فعلٍ إما على إنجازٍ مصرى حقيقى فى متاهات السياسة الخارجية لكنه خلف الغرف المغلقة أو على الأرض المكشوفة فى المجالات الاقتصادية. فمع ازدياد صلابة الموقف المصرى فى مواجهة الضغوط ومحاولات التأثير على القرار السياسى السيادى، كان الفحيح يزداد لهيبا. ومع عبور مصر الأزمة الاقتصادية تلو الأزمة كانت محاولات تصدير الإحباط للمصريين تزداد شراسة. لذلك فأنا على عكس الذين يقلقون قلقا مشروعا على بلادهم، أفرح بهذه الموجات ليقينى بأنها تنفث فى وجوه المصريين مرارة وحقد الذين فشلوا حتى فى أن يكونوا خونة محترفين! وأفرح بها لأننى من خلال متابعتى الموضوعية لمفردات الحالة المصرية على يقينٍ تام أن هذه الموجة أو تلك سوف تكون كسابقاتها وسوف تكون نهايتها عبارة عن فصلٍ جديد من فصول كشف الأقنعة ليرى المصريون مزيدا من وجوه الشياطين، وأيضا إضافة ضحايا جدد من الفشلة الذين سوف يقوم سادتهم بالاستغناء عنهم وإلقائهم فى أقرب صندوق نفايات! لكن هذا لا يمنع من التساؤل فضولا..ما الذى حدث هذه المرة تحديدا؟
ربما يكون ما همس به البعض حقيقيا، من أن مصر واصلت رفض الصفقات منزوعة الشرف بنقل من بقى من سكان القطاع إلى العريش مع تكفل العم سام بالإنفاق عليهم مقابل مساعدة مصر فى حل أزمة السد الحبشى غير الشرعى! بخلاف تمسك مصر بمبادىء شرفها السياسى، فإن مصر أيضا لا تشترى الترماى السياسى! فلا العم سام الذى يتقمص دور بلطجى إتاوات الكرة الأرضية سوف يدفع سنتا واحدا فى هذا الملف، ولا مصر فى حاجة لمساعدتها فى ملف السد بعد أن عبرت بالفعل مراحل الخطر وتركت الأحباش يتخبطون قبل النهاية الحتمية الوحيدة الممكنة وهى توقيع الإتفاق بما يتفق مع الرؤية المصرية. ليس لدى الكاوبوى ما يقدمه فى هذا الملف فى هذه المرحلة بعد أن اعترف أنه باعتبار مؤسسية أطماع دولته هو من مول السد لابتزاز مصر!
(2)
وربما يكون سبب هذه الموجة وأنا شخصيا أرجح ذلك ما قامت به الدولة المصرية فى الأسابيع الأخيرة من إجراءات حاسمة فى ملفات ملتهبة مثل حسم ملف سرقة مواردها من الذهب والتى كانت تتم تحت مسمى التنقيب عن الذهب. فهذا الحسم الذى فاجأ الكل فى توقيته ودقته واحترافيته فى التنفيذ دون أى خروج عن مبادىء القوانين الدولية والإنسانية قد سبب صدمة ولا شك لجُحرٍ بعينه من الأفاعى الذين كانوا يعتقدون أنهم نجحوا ليس فقط فى خلق أمر واقع بقبول سرقة مقدرات مصر، لكنهم اعتقدوا أنهم نجحوا فيما حسمته مصر فى سيناء من اجتثاث مليشيات الإرها.ب من غير المصريين. فهؤلاء الذين تم غرسهم فى جنوب مصر وتم مساعدتهم لوجستيا وإمدادهم بمعدات وأسلحة ومؤن كان يمكنهم بالفعل أن يصبحوا مليشيات مسلحة قائمة على أرض مصر. كان الحسم المصرى (درع الجنوب) موجعا لمن خطط ودبر ومول وكان ينتظر ساعة الصفر. كان الحسم المصرى صفعة سياسية محترفة وليس كما يعتقد البعض أنها كانت عملية تأمين حدود روتينية.
تزامن مع هذا الحسم فى جنوب مصر اقتراب الأجل الزمنى المحدد الذى ينتظره المصريون فى شوق لكى تتولى الدولة المصرية بشكلٍ كامل ملف اللجوء إلى أرضها. ولقد بدأت الدولة بالفعل منذ أشهرٍ فى تطبيق القانون المصرى بعد أن رأت أن كرمها كان فى موضعه تماما فى السنوات السابقة، لكن الآن لن يكون كرما، بل سيصبح ابتزازا لها، ومصر لا تقبل الابتزاز. الدول التى فر أهلها وتركوها، بدأت فى التعافى بالفعل، ومن تمام شرف مصر السياسى والقومى أن تشجع هؤلاء الذين هربوا وفروا على العودة لبناء هذه الأوطان. وبعد أن أدركت الدولة أن المصريين الذين استحبوا أو حتى قبلوا على مضض كرم بلادهم سوف يتساءلون أسئلة مشروعة عن توصيف هذا الكرم بعد انتفاء أسبابه. وأخيرا فإن مصارف كرم مصر لا تنتهى، لكن يجب أن توجه فى موضعها الصحيح، فما زالت مصر تقوم بالدور المنفرد فى قطاع غزة. وهؤلاء أولى من أولئك الذين فروا من بلادهم دون أن يكون هناك احتلالٌ صه.يونى أجبرهم على ذلك. فمصر تعرف أنه فى السياسة كما فى الدين هناك مصارف شرعية لكرم الدولة مع غير مواطنيها!
(3)
أما السبب الثالث المحتمل لهذه الموجة الشرسة من الهجوم على قيادة مصر، فهو سبب اقتصادى سياسى. كيف تتخيلون أنهم سوف يتركون مصر هكذا فى وسط هذه العواصف التى أطاحت باقتصاديات دول فى المنطقة لم يكن أحد من مواطنيها أو من مصر يتخيل أن تكون تلك الاقتصاديات مهددة فى يومٍ ما. أخطار اقتصادية وسياسية وجودية تهدد دويلات ودول غنية، ومطامع وقحة من الكاوبوى فى نفس هذه الدول التى يزعم أنه جاء للمنطقة لحمايتها مع حماية الكيان. هل يعتقد عاقلٌ أنه بعد هذه السنوات مما يسمى بالخراب العربى أو الربيع العبرى أنهم يتركون مصر هكذا تبنى اقتصادها وتعاظم قدرتها العسكرية وتطور مؤسساتها التعليمية والصحية وتلمع فجأة قوتها الناعمة لدرجة أن مباراة كرة قدم - تكون مصر أحد طرفيها - تعصف بنوم نصف الكرة الأرضية لليلة كاملة؟ هل تعتقدون أنهم يمررون لمصر مواقفها منذ الثلاثين من يونيو عام 2013م وحتى اليوم؟ هل يعتقد أحد أنهم سوف يمررون لمصر هكذا وبمنتهى البساطة والبراءة والتسامح قيام قيادتها بفضح غالبية قادة الدول الكبرى الذين هرولوا إلى القاهرة بعد مؤامرة السابع من أكتوبر لا ليوقفوا العدوان على الأبرياء، وإنما ليضغطوا على مصر لتقبل القيام بدورٍ مشين فيما وصفه الرئيس بأنه (ظلمٌ لن تشارك فيه مصر)؟! أنسيتم ما كتبه مواطنون أمريكيون عن وزير خارجيتهم وهو يجلس منكمشا أمام الرئيس المصرى (يتلقى درسا فى التاريخ)؟ أنسيتم أن مصر أول من عقد مؤتمر قمة علنى فى القاهرة وأعلن الرئيس بعبارات واضحة كررها أكثر من مرة متكئا على مخارج الحروف..(مصر لن تسمح بتصفية القضية الفلسطينية..وفى كل الأحول لن تسمح بتصفيتها أبدا على حساب الأراضى المصرية)! لن ينسوا لمصر أنها استبقت الجميع وكشفت ما لم يجرؤ غيرها على كشفه.
كيف يعتقد عاقلٌ أن الذين أنفقوا مليارات - لتنفيذ (الفوضى الخلاقة) ومخطط تقسيم الشرق الأوسط ثم ببساطة يخرج المصريون بكارت أحمر فى الثلاثين من يونيو ويقولون لا هذا لن يحدث - سوف يتركون مصر وشأنها؟..نفس القصة ونفس المشهد..الهكسوس..الصليبيون..التتار..الكيان الصهيونى.. حقق كل هؤلاء أهدافهم كاملة خارج مصر..لكن الهزيمة الحاسمة والمشاهد النهائية لظهورهم مهزومين كانت إما فى مصر بشكل مباشر أو بجيش مصرى..هذا ما حدث لحملة (تقسيم الشرق الأوسط) أو سايكس بيكو 2..توقف كل شىء على عتبات مصر. فهل تظنون أنهم سوف يتركون مصر هكذا لتبنى وتشيد وتنتقل من مرحلة لأخرى؟ من يعتقد هذا فهو ساذج. لن يتركوا مصر أبدا، وعلى المصريين قيادة ومؤسسات وشعبا أن يتعاملوا مع هذه الحقيقة. العمل تحت ضغط هذه الحقيقة الثقيلة هو طريق النجاة لمصر الآن وغدا. أى رئيس يتولى حكم مصر منذ عام 2013م وإلى ما شاء الله، عليه أن يدرك هذه الحقيقة، وأن أول وأهم مهامه أن يتأكد من قدرة مصر عسكرية واقتصادية ووعى بشرى على مجابهة هذه الحقيقة. وأنا أذكر الرئيس تحديدا لأن نظام الحكم فى مصر رئاسى.
(4)
هذا السبب الثالث - مضافٌ إلى حقيقة أخرى لا ينتبه إليها البعض - ضاعف من الغيظ السياسى والغيرة السياسية وربما الحقد السياسى لدى كثيرٍ من الدول والأجهزة وربما حتى الشعوب ضد مصر. هذه الحقيقة الثانية هو أن مسيرة مصر الاقتصادية فى السنوات الاثنى عشر الأخيرة كانت أشبه بالمعجزة. حرب عسكرية باهظة الكلفة لمدة أربع سنوات على الأقل.
كانت فى انتظار من تولى مقاليد الحكم كوارث اقتصادية متراكمة لا يقترب منها أحد..خنقة سكانية فى الدلتا والوادى..كثافة سكانية جنونية..تواطؤ مواطنين ضد بلادهم قاد إلى دخول ملايين للبلاد بطرق غير شرعية..قرب انهيار مرافق الصحة والبنية الأساسية فى غالبية مدن وقرى مصر..أزمة مائية وجودية..جريمة تجريف الرقعة الخضراء المحدودة بطبيعتها..
حين وضعت القيادة السياسية رؤيتها موضع التنفيذ كانت تعلم أنها اختارت تحقيق المستحيل الذى لن يتحقق سوى بتوفر إرادة سياسية صلبة وصارمة..لكن تلك القيادة فوجئت فى طريق تنفيذها لرؤيتها تلك بكثير من المعوقات الداخلية..تعاملت معها ولم تتوقف كثيرا أمام مصلحة خاصة - اسمها شعبية الرئيس - تداعب كل من يجلس على كرسى الحكم فى أى دولة. ثم توالت المفاجأت القاتمة من خارج الحدود مما يطلق عليه رسميا (كوارث صحية عالمية وحروب إقليمية كبرى). كل حدث قاتم من هذه الأحداث المتوالية كان يكفى تماما لإجهاض وتوقف أى مشروع قومى تنموى فى دولة مكتظة بالسكان مثل مصر، كما كان كل حدث يكفى تماما لأن تعفى تلك القيادة نفسها من الحرج وأن تعلن للشعب أنها سوف توقف تنفيذ رؤيتها لحين إشعارٍ آخر، ثم تقضى السنوات تتاجر بما أنجزته..تماما كما فعلت إدارة مبارك..عملت جيدا لمدة تقارب عشر سنوات بشكل قوى على بناء وتحديث البنية الأساسية وتشجيع الاستثمار واستدعاء بعض رجال الأعمال المصريين بالخارج..ثم توقف كل شىء ووُضعت مصر فى ثلاجة لما يقارب عقدين قضاهما مبارك فى التباهى بما عمله فى السنوات العشر الأولى حتى كان ما كان فى 2011م
القيادة المصرية بعد 2014م لم تتوقف عاجزة أمام أى كارثة مثل كوفيد والحروب المتتالية ومثل خسارة جزء كبير من إيراد قناة السويس بسبب الحروب وإرهاب مليشيات الحوثى..لم ننسَ متابعة الرئيس الشخصية للمشاريع أثناء فترة الإغلاق فى ذروة كوفيد وهو يرتدى الماسك الطبى ولم ننسَ حرصه على حماية العمال بإجراءات صحية صارمة. أنا تحديدا لم يمكننى أن أنسَ لأن الذى ألقى مزيدا من الضوء على هذا المشهد تحديدا وبروزه أمام عينى كان أحد السائحين الإنجليز بعد عودة الأنشطة الاقتصادية..سألنى بشغف عما حدث فى مصر أثناء كوفيد لأنه كما ذكر نصا شاهد لقطة تليفزيونية للرئيس المصرى يتابع أحد المشاريع فى الشارع وهو يرتدى الماسك الطبى، وكان ذلك فى ذروة الخطر والخوف المنتشر عالميا.
حين تعبر القيادة المصرية ببلادها كل هذه الخوانق الكبرى وتحفظ للبلاد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور المصرية
