كتب - د. عدلي قندح
لم يكن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75% مفاجئاً للأسواق بقدر ما كان لافتاً بسبب الانقسام الذي رافقه. فقد صوّت 9 أعضاء من أصل 12 لمصلحة تثبيت أسعار الفائدة، في حين صوّت 3 أعضاء، أي ما يعادل 25% من أعضاء التصويت، لمصلحة رفعها بمقدار 25 نقطة أساس. وهذه النسبة ليست تفصيلاً إحصائياً عابراً، لأنها تكشف أن ربع صانعي القرار النقدي الأميركي يرون أن مخاطر التضخم أصبحت أكثر إلحاحاً من مخاطر تباطؤ الاقتصاد. ولذلك فإن القراءة الصحيحة للقرار ليست أن الفيدرالي انتقل إلى سياسة نقدية تيسيرية، وإنما أنه اختار الانتظار مع إبقاء خيار التشديد مفتوحاً.
من الناحية الاقتصادية البحتة، يمكن الدفاع عن قرار التثبيت، لكن يصعب اعتباره قراراً خالياً من المخاطر. فالفيدرالي يواجه اقتصاداً تتعايش فيه مؤشرات متناقضة. سوق العمل بدأت تفقد بعض الزخم، إذ لم يضف الاقتصاد الأميركي في يونيو سوى نحو 57 ألف وظيفة، في حين بقي معدل البطالة عند 4.2%. كما أن تعديلات البيانات السابقة أظهرت أن سوق العمل كانت أضعف مما كان يعتقد سابقاً، وهو ما يمنح البنك المركزي سبباً لعدم إضافة تشديد نقدي جديد إلى اقتصاد بدأت تظهر فيه علامات التباطؤ.
في المقابل، لا يزال التضخم بعيداً عن هدف الفيدرالي البالغ 2%. فقد بلغ تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى البنك المركزي الأميركي، نحو 4.1% في مايو، بينما بلغ التضخم الأساسي 3.4%. وهذا يعني أن التضخم الأساسي ما زال أعلى بنحو 70% من الهدف البالغ 2%. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن توقعات مسؤولي الفيدرالي تشير إلى بقاء التضخم أعلى من الهدف خلال الفترة المقبلة، فإن إعلان الانتصار على التضخم سيكون سابقاً لأوانه.
هنا تحديداً تظهر صعوبة القرار. السياسة النقدية تعمل بتأخر زمني، ورفع الفائدة اليوم لا يخفض التضخم غداً، كما أن إبقاءها مرتفعة لفترة أطول قد يضغط على الاستثمار والاستهلاك وسوق العمل بعد عدة أشهر. ولذلك فإن الفيدرالي يحاول الموازنة بين خطرين غير متناظرين: خطر أن يشدد السياسة أكثر من اللازم فيدفع الاقتصاد نحو تباطؤ حاد، وخطر أن يتساهل مبكراً فيسمح للتضخم بأن يصبح أكثر رسوخاً في توقعات الأسر والشركات والأسواق.
ومن منظور قاعدة تايلور التقليدية Taylor Rule، التي تربط سعر الفائدة بالتضخم والانحراف عن هدف التضخم والفجوة في الناتج، فإن الصورة لا تعطي إجابة آلية واحدة. التضخم ما زال أعلى بكثير من الهدف، وهو ما يدفع باتجاه الفائدة المرتفعة، بينما ضعف سوق العمل يدفع في الاتجاه المعاكس. وبالتالي فإن تثبيت الفائدة يمكن فهمه على أنه محاولة لشراء الوقت، وليس إعلاناً عن نهاية دورة التشديد النقدي.
لكن الجانب الأكثر أهمية في قرار الفيدرالي ربما لا يكمن في الرقم 3.50% 3.75%، بل في الرقم 3 من أصل 12. فعندما يصوت 25% من أعضاء التصويت لمصلحة رفع الفائدة، فإن ذلك يعني أن الخلاف داخل اللجنة لم يعد خلافاً نظرياً حول سرعة خفض الفائدة، وإنما أصبح خلافاً حول ما إذا كان ينبغي إضافة تشديد نقدي جديد الآن. والأكثر دلالة أن المعارضة جاءت هذه المرة في اتجاه واحد، أي نحو رفع الفائدة، وهو ما يعطيها وزناً أكبر في تفسير مستقبل السياسة النقدية.
فالأسواق لا تتعامل فقط مع القرار الحالي، وإنما مع توزيع الاحتمالات للقرارات المقبلة. ولذلك فإن تثبيت الفائدة يمكن أن يكون، بشكل متناقض، أكثر تشدداً مما يبدو. فإذا اعتقد المستثمرون أن الفيدرالي سيخفض الفائدة قريباً، فإن تثبيتاً واحداً قد يدفع أسعار السندات إلى الارتفاع وعوائدها إلى الانخفاض. أما إذا خرج المستثمرون بانطباع أن الفيدرالي مستعد للرفع مجدداً، فإن تثبيت الفائدة اليوم لا يعني الكثير، لأن العبرة تصبح في المسار المستقبلي.
وهذا ما يفسر جانباً من رد فعل الأسواق. فبدلاً من التعامل مع القرار على أنه انتصار للسياسة التيسيرية، بدأت الأسواق في إعادة تسعير منحنى أسعار الفائدة. انخفضت عوائد بعض الآجال القصيرة، بينما ارتفعت عوائد الآجال الطويلة، ووصل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستويات تجاوزت 5.2%. وهذه الحركة تحمل رسالة شديدة الأهمية: المستثمرون لا يرون أن قرار التثبيت يعني بالضرورة انخفاضاً مستداماً في أسعار الفائدة، بل يطالبون بعلاوة أعلى للتعويض عن عدم اليقين والتضخم والمخاطر المالية على المدى الطويل.
والأمر نفسه انعكس على سوق الأسهم. فقد تراجع مؤشر S&P 500 بنحو 1.5%، وناسداك بنحو 1.7%، وداو جونز بنحو 2.2% في جلسة اتسمت بالتقلب. وقد يبدو هذا السلوك متناقضاً مع قرار عدم رفع الفائدة، لكنه في الواقع منطقي. الأسواق لا تخشى فقط سعر الفائدة الحالي؛ إنها تخشى أن تكون توقعاتها السابقة بشأن انخفاض الفائدة في المستقبل متفائلة أكثر من اللازم. وعندما يعيد المستثمرون تسعير هذا المسار، تنخفض قيمة الأسهم التي تعتمد أسعارها بدرجة كبيرة على انخفاض تكلفة رأس المال، خصوصاً أسهم التكنولوجيا والنمو.
ومن هنا تأتي أهمية طريقة اتخاذ القرار داخل الفيدرالي. البنك المركزي الأميركي لا يتخذ قرار الفائدة بناءً على مؤشر واحد، ولا على قراءة شهر واحد للتضخم أو الوظائف، وإنما من خلال تقييم مجموعة واسعة من البيانات، تشمل التضخم الأساسي، وسوق العمل، والنمو، والأوضاع المالية، وتوقعات التضخم، والاستقرار المالي. وهذه الطريقة هي أحد أسباب أهمية الانقسام داخل اللجنة؛ لأن اختلاف التصويت يكشف اختلافاً في وزن المخاطر وليس مجرد اختلاف سياسي.
وفي هذه المرحلة، يبدو أن الفيدرالي يحاول تقليل اعتماده على التوجيه المستقبلي الحاد، وإعطاء الأسواق مساحة أكبر لقراءة البيانات الفعلية قبل بناء توقعاتها. وهذه الاستراتيجية لها ميزة واضحة، لأنها تمنع البنك المركزي من تقييد نفسه بتعهدات مستقبلية قد تصبح غير مناسبة إذا تغيرت البيانات. لكنها في الوقت نفسه تزيد تقلب الأسواق، لأن المستثمرين يصبحون أكثر حساسية لكل رقم جديد يتعلق بالتضخم والوظائف والأجور والنشاط الاقتصادي.
أما الدولار، فإن تأثير القرار عليه لا يمكن اختزاله في حركة يوم واحد. فالدولار يتحرك حالياً بين قوتين متعاكستين: من جهة، احتمال بقاء الفائدة الأميركية مرتفعة لفترة أطول أو حتى ارتفاعها مجدداً يدعم العملة الأميركية، ومن جهة أخرى، فإن تباطؤ سوق العمل واحتمال انخفاض التضخم في الأشهر المقبلة قد يعيدان سيناريو خفض الفائدة إلى الواجهة. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تشهد تقلباً أكبر في الدولار، لأن الأسواق ستعيد تسعير توقعاتها مع كل قراءة جديدة للتضخم أو الوظائف.
وهنا تنتقل أهمية القرار مباشرة إلى الأردن، وإن بصورة مختلفة......
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
