العسل ليس القصة كلها... ماذا تقول الأرقام عن اقتصاد النحل في الأردن؟ تحليل اقتصادي لقطاع النحل الأردني دراسة تحليلية استنادًا إلى البيانات الرسمية للفترة 2017 2025
حين يُذكر قطاع النحل في الأردن، يتجه الاهتمام غالبًا إلى إنتاج العسل وجودته وأسعاره ومواسم تسويقه. ورغم أهمية هذه المؤشرات، فإنها لا تمثل سوى المخرجات النهائية لمنظومة اقتصادية وإنتاجية أكثر اتساعًا؛ إذ يقف خلف كل كيلوغرام من العسل منظومة متكاملة تشمل الطوائف والملكات والطرود والشمع، إضافة إلى مستلزمات الإنتاج، والخدمات البيطرية، والعمالة، وحركة المناحل بين مناطق الإزهار، وسلسلة من العمليات الفنية والإدارية التي تبدأ بإدارة المنحل ولا تنتهي عند التعبئة والتسويق. ومن هذا المنطلق، فإن تقييم أداء القطاع لا يقتصر على معرفة كمية العسل المنتجة، وإنما يمتد إلى تحليل طبيعة النمو الذي شهده القطاع، ومدى نجاحه في تحويل التوسع الإنتاجي إلى قيمة اقتصادية مضافة تسهم في تعزيز مساهمة النشاط في الاقتصاد الزراعي. وتوضح بيانات الفترة (2017 2025) أن القطاع شهد نموًا ملحوظًا؛ إذ ارتفع عدد الطوائف المسجلة من نحو48.7 ألف طائفة إلى نحو102.1 ألف طائفة، كما ارتفع إنتاج العسل من نحو182.6 طنًا إلى نحو425.5 طنًا. وتعكس هذه الأرقام توسعًا واضحًا في حجم القطاع، إلا أن التحليل الاقتصادي لا يكتفي برصد حجم النمو، بل يسعى إلى تفسير مصادره، والتمييز بين النمو الناتج عن زيادة عدد الطوائف، وذلك الناتج عن تحسن كفاءة الطائفة وإنتاجيتها. وتُظهر المؤشرات أن متوسط إنتاج العسل للطائفة المسجلة ارتفع من نحو3.75 كغم عام 2017 إلى نحو4.17 كغم عام 2025، أي بنسبة تقارب %11.1، في حين تجاوز نمو عدد الطوائف 109%، وبلغت الزيادة في الإنتاج الكلي نحو %133. ويشير تحليل مكونات هذا النمو إلى أن الجزء الأكبر من الزيادة في الإنتاج تحقق نتيجة التوسع في عدد الطوائف، بينما بقيت مساهمة التحسن في متوسط إنتاجية الطائفة محدودة نسبيًا. وتمثل هذه النتيجة مؤشرًا اقتصاديًا مهمًا؛ فهي تؤكد أن القطاع نجح في التوسع الأفقي بصورة واضحة، في حين لا يزال أمامه مجال واسع لتعزيز الكفاءة الإنتاجية وتحقيق قيمة اقتصادية أعلى لكل طائفة. وعليه، فإن معيار النجاح في المرحلة المقبلة لن يتمثل في زيادة أعداد الطوائف فحسب، وإنما في رفع إنتاجية الطائفة وتعظيم القيمة الاقتصادية المضافة التي تحققها، بما يعزز تنافسية قطاع النحل ويرفع مساهمته في الاقتصاد الزراعي. التوسع العددي لا يكفي... والكفاءة الاقتصادية هي المعيار الحقيقي لا يُقاس نجاح قطاع النحل بعدد الطوائف التي أُضيفت فحسب، وإنما بقدرته على تحويل هذا التوسع إلى إنتاجية أعلى وقيمة اقتصادية أكبر وعائد مستدام. فالمؤشر الاقتصادي الحقيقي لا يتمثل في حجم القاعدة الإنتاجية وحدها، بل في كفاءة استثمارها وقدرتها على تحقيق إيرادات تغطي تكاليف الإنتاج وتضمن استمرارية النشاط. ويؤدي التوسع في أعداد الطوائف إلى زيادة الطاقة الإنتاجية، إلا أنه يرافقه ارتفاع في احتياجات رأس المال والتشغيل، بما يشمل الخلايا والملكات ومستلزمات التربية والتغذية التكميلية والخدمات البيطرية والنقل والحصاد والتعبئة والتسويق. وفي المقابل، فإن رفع إنتاجية الطوائف القائمة يتيح زيادة الإنتاج اعتمادًا على قاعدة إنتاجية موجودة بالفعل، ويسهم في خفض التكلفة النسبية لوحدة الإنتاج وتحسين القدرة على مواجهة تقلبات المواسم والأسعار. ولا يوجد مستوى إنتاجي موحد يمكن اعتباره معيارًا لجميع الطوائف، إذ تتأثر الإنتاجية بعوامل متعددة، من بينها قوة الطائفة، وسلالة الملكة، والظروف المناخية، وتوافر الغطاء النباتي، وتوقيت الإزهار، وموقع المنحل، والحالة الصحية، وكفاءة الإدارة الفنية. ولذلك فإن تحسين كفاءة القطاع يتطلب الاستثمار في إدارة الطائفة وجودة العمليات الإنتاجية، إلى جانب التوسع في أعدادها. كما أن عدد الطوائف المسجلة في بداية الموسم لا يعكس بالضرورة عدد الطوائف التي ظلت قوية ومنتجة حتى نهايته. فقد سجلت بيانات عام 2025 نحو16.9 ألف طائفة نافقة، أي ما يعادل نحو 16.6% من رصيد بداية العام. ورغم أن هذه النسبة لا تمثل معدلًا نهائيًا للنفوق لارتباطها بتوقيت الفقد وأسبابه ومدى مشاركة الطوائف في الإنتاج، فإنها تشير إلى أثر اقتصادي مهم يتمثل في انخفاض الطاقة الإنتاجية وارتفاع تكلفة استبدال الطوائف، وهو ما يستدعي تعزيز المتابعة الفنية والإحصائية لمؤشرات النفوق والدمج وضعف الطوائف. ومن ثم، فإن تقييم أداء القطاع لا ينبغي أن يقتصر على عدد الطوائف المسجلة، بل يجب أن يميز بين الطائفة المسجلة، والطائفة القائمة، والطائفة المنتجة فعليًا، والطائفة التي تعرضت للضعف أو الدمج أو الفقد خلال الموسم، لأن هذه الفئات تختلف في إسهامها الحقيقي في الإنتاج والقيمة الاقتصادية. قيمة الإنتاج ليست ربحًا بلغت القيمة التقديرية لإنتاج العسل نحو 6.3 مليون دينار عام 2025، بمتوسط قيمة ضمنية يقارب14.8 دينارًا للكيلوغرام. وتمثل هذه القيمة الإيراد الإجمالي للإنتاج، ولا تعبر عن صافي أرباح النحالين، لأنها لا تتضمن خصم تكاليف التغذية، والعلاجات، والمستلزمات، والعمالة، والنقل، والطاقة، والتعبئة، والتسويق، واستهلاك الخلايا والمعدات وغيرها من عناصر التكلفة. ولذلك فإن تقييم الجدوى الاقتصادية للقطاع يتطلب تحليلًا أكثر شمولًا لهيكل التكاليف، والعمالة الأسرية غير المدفوعة، والإهلاك، واختلاف قنوات التسويق، إلى جانب مستويات الإنتاجية وخسائر النفوق والدمج. كما يستلزم تطوير مؤشرات اقتصادية أكثر دقة، مثل تكلفة إنتاج الكيلوغرام، وصافي العائد للطائفة، والقيمة المضافة التي يحققها نشاط تربية النحل. ومن جهة أخرى، فإن الاقتصار على قيمة العسل وحدها يؤدي إلى التقليل من الحجم الحقيقي للاقتصاد الذي يولده المنحل، إذ تشمل أنشطته الاقتصادية أيضًا إنتاج الملكات والطرود والشمع وحبوب اللقاح والبروبوليس وغذاء الملكات، وهي منتجات تختلف في قيمتها السوقية وأنماط الطلب عليها. غير أن إدراج هذه الأنشطة ضمن التقديرات الاقتصادية يتطلب وجود بيانات منتظمة عن كميات إنتاجها وأسعارها وتكاليفها. كما تمتد مساهمة القطاع إلى التلقيح الزراعي، الذي يسهم في رفع إنتاجية العديد من المحاصيل وتحسين جودتها. وتمثل هذه المنفعة الاقتصادية جزءًا مهمًا من القيمة التي يضيفها قطاع النحل إلى الاقتصاد الزراعي، رغم صعوبة قياسها ضمن الإحصاءات التقليدية، فضلًا عن دورها في تعزيز الأمن الغذائي من خلال دعم استقرار الإنتاج الزراعي وتحسين كفاءته. وعليه، فإن تطوير قياس أداء القطاع يستلزم الانتقال تدريجيًا من التركيز على اقتصاد العسل إلى تبني مفهوم أشمل هو اقتصاد المنحل، بما يعكس كامل القيمة الاقتصادية التي تولدها الطائفة ومنتجاتها وخدماتها، ويتيح بناء مؤشرات أكثر دقة لدعم السياسات والاستثمار واتخاذ القرار.
السوق المحلي بين نمو الإنتاج واستمرار الواردات تُظهر بيانات عام 2025 أن الإنتاج المحلي من العسل بلغ نحو425.5 طنًا، مقابل مستوردات بلغت نحو830.9 طنًا. واستنادًا إلى بيانات الإنتاج والتجارة الخارجية، بلغ المتاح الظاهري للاستهلاك نحو1,089.6 طن، فيما تشير حسابات الباحث إلى أن معدل الاكتفاء الذاتي قارب 39%. وتكشف هذه المؤشرات عن فجوة بين الإنتاج المحلي وحجم المعروض في السوق، بما يتيح مجالًا لزيادة حصة العسل الأردني. غير أن وجود هذه المساحة السوقية لا يعني أن زيادة الإنتاج ستؤدي تلقائيًا إلى إحلال المنتج المحلي محل المستوردات؛ إذ تتحدد القدرة التنافسية بمجموعة مترابطة من العوامل، تشمل السعر والجودة والموثوقية، والقدرة على التوريد المنتظم، والالتزام بالمواصفات، وكفاءة التعبئة والتصنيف والفحص، ووضوح بيان منشأ المنتج. وعند تقييم الأداء التجاري للقطاع، لا يجوز التعامل مع جميع كميات العسل الخارجة عبر المنافذ الجمركية باعتبارها صادرات من إنتاج وطني. فقد بلغت الصادرات الوطنية من العسل عام 2025 نحو1.7 طن فقط، في حين بلغت إعادة التصدير نحو 165 طنًا. وتمثل إعادة التصدير سلعًا سبق استيرادها ثم أُعيد تصديرها، ولذلك فهي لا تعكس إنتاجًا محليًا، ولا ينبغي إدراجها ضمن الصادرات الوطنية عند قياس القدرة التصديرية لقطاع النحل الأردني. وتكتسب هذه التفرقة أهمية تحليلية؛ لأن جمع الصادرات الوطنية وإعادة التصدير في مؤشر واحد قد يعطي انطباعًا بوجود قاعدة تصديرية محلية أكبر من حجمها الفعلي. أما القدرة التصديرية الحقيقية فتُقاس بكمية العسل المنتج داخل الأردن التي تنجح في الوصول إلى الأسواق الخارجية وتسويقها بصفتها منتجًا وطنيًا. وعليه، فإن فرصة التوسع المتاحة أمام المنتج المحلي لا ترتبط بزيادة الكميات وحدها، بل بقدرته على تقديم منتج ثابت الجودة، مستوفٍ للمواصفات، منافس في تكلفته، موثوق في مصدره، وقادر على الوصول المنتظم إلى المستهلك. فالفجوة السوقية تمثل فرصة محتملة، لكنها لا تتحول إلى حصة سوقية مستدامة إلا من خلال رفع الكفاءة والإنتاجية وبناء ميزة تنافسية قابلة للاستمرار. حماية المنتج المحلي تبدأ من قدرته على المنافسة لا يتحقق دعم العسل الأردني بمجرد الدعوة إلى شرائه، ولا بالاعتماد على تقييد الواردات أو التوسع العددي في الطوائف وحده؛ فالحماية المستدامة للمنتج المحلي تبدأ من تعزيز قدرته على المنافسة من حيث الجودة والسعر والموثوقية والاستمرارية. ويتطلب ذلك تطوير منظومة فحص العسل والتحقق من مطابقته للمواصفات، وتفعيل نظم التتبع، وتحسين العبوات والبطاقات التعريفية، وبناء علامات تجارية موثوقة، وتنظيم قنوات التسويق، وتوسيع فرص البيع المباشر، بما يقلل حلقات الوساطة ويعزز قدرة المنتج على الوصول إلى المستهلك. كما يحتاج السوق إلى معلومات واضحة تساعد المستهلك على التمييز بين المنتجات وفق مصدرها وخصائصها ونتائج فحصها، بعيدًا عن الادعاءات غير القابلة للتحقق والمبالغات التسويقية. فالثقة ليست عنصرًا دعائيًا فحسب، بل أصل اقتصادي يؤثر مباشرة في قرار الشراء وفي قدرة المنتج المحلي على الاحتفاظ بحصة مستقرة من السوق. ولا تعني حماية المنتج المحلي إغلاق السوق أو إعفاءه من المنافسة،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
