إن فقدان ممرّ مائي حيوي واحد ربما يُعزى إلى سوء الحظ، لكن فقدان اثنين يبدو إهمالاً.. مع الاعتذار إلى أوسكار وايلد.
بالطبع، تجاوزنا مرحلة الإهمال بأشواط، وها نحن نندفع اليوم نحو الكارثة، إثر فقدان ثلاثة ممرات مائية رئيسية: مضيق هرمز، وموانئ البحر الأسود، ومضيق باب المندب في البحر الأحمر. ويبدو أن نهر الراين العظيم في طريقه لينضم إلى اللائحة.
شريان الصناعة الأوروبية يمتد نهر الراين عبر شمال غربي أوروبا. وفي حين قد لا يحظى بمكانة جيوسياسية تضاهي الممرات المائية التي تصدرت عناوين الأخبار في الآونة الأخيرة، إلا أنه لا يقل عنها أهمية؛ إذ يعمل كحزام ناقل يربط المصانع الكيميائية، ومصافي النفط، ومسابك الصلب، ومحطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم، وغيرها من المنشآت الصناعية في سويسرا وألمانيا وفرنسا بالموانئ الهولندية.
وتختصر شركة "باسف" (BASF)، عملاقة الصناعات الكيميائية الألمانية، هذه الأهمية بالقول: "من دون نهر الراين، سينهار الإنتاج الصناعي في أوروبا الغربية".
يُعدّ نهر الراين أحد أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، إذ يشهد يومياً عبور نحو 6900 سفينة شحن تنقل البضائع ذهاباً وإياباً على امتداد مجراه البالغ نحو 800 ميل.
غير أن الخطر الذي يهدده لا يأتي من الحروب أو الاضطرابات الجيوسياسية، بل من شحّ الأمطار. فقد أدى الجفاف الحاد، الذي يُرجَّح أن التغير المناخي فاقم حدته، إلى هبوط منسوب مياه النهر إلى مستويات متدنية للغاية، ما تسبب في شلل شبه كامل في حركة النقل النهري.
شلل الراين يهدد اقتصاد أوروبا لطالما عانى نهر الراين من انخفاض منسوب مياهه، بما في ذلك حالات انخفاض في منسوب المياه في أعوام 1947 و1959 و1964 و1976، قبل أن يتعرض في عام 2018 لجفاف تاريخي أجبر عدداً من المنشآت الصناعية على ضفافه على وقف عملياتها، وخفض معدل النمو الاقتصادي الألماني بعدة أعشار من نقطة مئوية.
وإذا لم تهطل الأمطار قريباً، فإن أزمة عام 2026 تتجه لأن تضاهي على الأقل أزمة 2018، إن لم تتجاوزها، خصوصاً أن شهري أغسطس وسبتمبر، وهما الأكثر جفافاً بالنسبة إلى نهر الراين، لا يزالان أمامنا.
إذا ما انخفض منسوب المياه إلى الحد الذي تتوقف معه الملاحة، ستمتد التداعيات سريعاً إلى عمق أوروبا. فقد تضطر سويسرا، خلال أسابيع، إلى السحب من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية، مع تعذر تأمين كميات كافية من المنتجات النفطية المكررة، مثل الديزل، التي تصل عادة بالصنادل عبر نهر الراين من مركز تجارة النفط في أنتويرب وروتردام وأمستردام.
وفي ألمانيا، قد تضطر مصانع البتروكيماويات ومسابك الصلب إلى خفض إنتاجها بسبب نقص المواد الخام الواردة عبر موانئ بحر الشمال، كما قد تواجه بعض المناطق شحاً في إمدادات الوقود.
دفعت الأسعار المرتفعة الناجمة عن حرب إيران كثيراً من الشركات إلى تقليص مشترياتها من الوقود خلال الأشهر الماضية إلى الحد الأدنى، والاكتفاء بتأمين احتياجاتها اليومية، وتأتي اضطرابات نهر الراين في أسوأ توقيت ممكن.
الراين يقترب من المستوى الحرج بات متداولو السلع في الأسواق الأوروبية الداخلية يتابعون توقعات هطول الأمطار، بقدر ما يراقب نظراؤهم في الشرق الأوسط الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وتتجه الأنظار إلى بلدة كاوب، الواقعة جنوب مدينة كولونيا، باعتبارها أهم نقطة اختناق عند نهر الراين. ففي هذه البلدة الخلابة، التي تصطف على ضفاف النهر فيها قلاع تعود إلى العصور الوسطى، يبلغ منسوب المياه عادة نحو 200 سنتيمتر في هذا الوقت من العام، فيما يبدأ.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ



