كيف خلّد أغسطس لقبه ليبقى حياً منذ ألفي عام؟

مصدر الصورة: Getty Images

على مر التاريخ، لم يكن الانتصار وحده كافياً للحكام والأباطرة؛ فقد سعوا أيضاً إلى صياغة الرواية التي أرادوا أن تتناقلها الأجيال بعد زوال سلطانهم.

صور رمسيس الثاني نفسه على جدران معابده، ومنها معبد أبو سمبل، الذي يُرجح تشييده بين نحو 1264 و1244 قبل الميلاد، بطلاً منتصراً في معركة قادش عام 1274 قبل الميلاد، بحسب ما يذكر المتحف البريطاني.

وفي فارس، أمر داريوس الأول، الذي حكم بين عامي 522 و486 قبل الميلاد، بنقش روايته عن اعتلاء العرش عام 522 قبل الميلاد، وهزيمة خصومه خلال عامي 521 و520 قبل الميلاد على جرف بيستون بثلاث لغات؛ وهو أثر تقول منظمة اليونسكو إن جزءاً كبيراً منه خُصص للاحتفاء بانتصارات الملك وتثبيت شرعية حكمه.

واختار الإسكندر الأكبر أن يربط اسمه بمدن أسسها، وفي مقدمتها الإسكندرية في مصر في عام 331 قبل الميلاد، حيث يذكر في ذلك متحف المتروبوليتان للفنون أن الإسكندر يُنسب إليه تأسيس نحو عشرين مدينة، توزعت على رقعة امتدت من مصر إلى الهند (خلال حملاته بين عامي 334 و323 قبل الميلاد).

أما أباطرة روما - منذ قيام الإمبراطورية عام 27 قبل الميلاد - نشروا صورهم وألقابهم على العملات والتماثيل والجواهر المنقوشة، وهي أدوات يصفها متحف المتروبوليتان بأنها كانت من أبرز وسائل الدعاية السياسية في الإمبراطورية، وبعد قرون، أمر نابليون في عام 1806 بإقامة قوس نصر الكاروسيل في باريس، زُيّن بمنحوتات تستعيد معارك جيشه وانتصاراته، بحسب متحف اللوفر.

ارتبطت هذه المحاولات جميعها بأثر مادي، غير أن تخليد أغسطس، أول أباطرة روما الذي حكم بين عام 27 قبل الميلاد وعام 14 ميلادية، تجاوز حدود المكان إلى التقويم نفسه؛ إذ أصبح لقبه في عام 8 قبل الميلاد، عنواناً للشهر الثامن من السنة الميلادية في كثير من اللغات الأوروبية وعدد من البلدان العربية.

وهكذا بقي "أغسطس" حاضراً في المواعيد والسجلات والتقاويم بعد رحيل صاحبه وسقوط إمبراطوريته.

وهنا تبرز أسئلة هامة في الحكاية؛ لماذا اختارت روما هذا الشهر تحديداً؟ وهل صحيح، كما تزعم رواية شائعة، أنه انتزع يوماً من فبراير حتى لا يكون شهره أقصر من يوليو؟

تبدأ الإجابات التي سنتدرج في طرحها، من مفارقة أقدم من حكم أغسطس بقرون: فالشهر الذي نعرفه اليوم بوصفه الشهر الثامن، كان يحمل اسماً يعني ببساطة "السادس" (في التقويم الروماني القديم المنسوب تقليدياً إلى القرن الثامن قبل الميلاد).

كيف أصبح "السادس" الشهر الثامن؟ قبل أن يحمل الشهر اسم أغسطس، كان الرومان يسمونه "سيكستيليس"، وهي كلمة مشتقة من الرقم ستة في اللاتينية، ولم يكن الاسم غريباً في زمنه؛ فقد كان يتناسق ترتيباً مع سنة تبدأ مع الربيع في مارس/آذار.

وكان يسبقه "كوينتيليس"، أي الخامس، ثم تأتي بعدهما أشهر ما زالت أسماؤها تحتفظ بذلك الترتيب القديم: سبتمبر من سبعة، وأكتوبر من ثمانية، ونوفمبر من تسعة، وديسمبر من عشرة، وفق شرح المتحف البريطاني لأصول أسماء الأشهر.

وتنسب الرواية الرومانية التقليدية هذا التقويم إلى رومولوس، مؤسس روما الأسطوري، وتقول إن سنته كانت تضم عشرة أشهر تبدأ بمارس وتنتهي بديسمبر، ويذكر الكاتب اللاتيني ماكروبيوس، الذي عاش في أواخر القرن الرابع ومطلع القرن الخامس الميلادي وجمع في مؤلفاته كثيراً من التقاليد الرومانية القديمة في كتابه "ساتورناليا" أنها - السنة حينها - تألفت من 304 أيام.

ومع اعتماد يناير/كانون الثاني مطلعاً للسنة الرسمية ووضع فبراير/شباط بعده، تراجعت بقية الأشهر مرتبتين في الترتيب: أصبح "كوينتيليس" الشهر السابع، وانتقل "سيكستيليس" من المرتبة السادسة إلى الثامنة، تغيرت مواقع الأشهر، لكن أسماءها القديمة ظلت ملازمة لها.

من أوكتافيان إلى أول أباطرة روما كان اسمه عند الولادة غايوس أوكتافيوس، وُلد عام 63 قبل الميلاد، وكان حفيد جوليا، شقيقة يوليوس قيصر، لكن مسار حياته انقلب بعد اغتيال قيصر عام 44 قبل الميلاد.

عندما فُتحت وصيته، تبين أن القيصر تبنى أوكتافيوس، وأدخله في عائلته ومنحه اسمه وجعله وارث ثلاثة أرباع تركته، بحسب ما يروي المؤرخ الروماني سويتونيوس في كتابه "حياة يوليوس قيصر".

وبقبوله التبني، اتخذ الشاب اسم غايوس يوليوس قيصر، غير أن المؤرخين درجوا على تسميته "أوكتافيان" خلال المرحلة الممتدة بين عامي 44 و27 قبل الميلاد، لتمييزه عن أبيه بالتبني، يوليوس قيصر؛ إذ كان هو نفسه يستخدم اسم قيصر.

لكن الوصية لم تمنحه دولة مهيأة للحكم، فروما لا تزال جمهورية لا ينتقل فيها الحكم بالوراثة، وتمزقها صراعات القوى السياسية والجيوش، ولا تحوزها إلا بالتغلب على المنافسين، و هذا ما فعله أوكتافيان في مارك أنطونيوس وكليوباترا.

بعد انتصاره في معركة أكتيوم عام 31 قبل الميلاد، وصل أوكتافيان إلى مصر في العام التالي وسيطر على الإسكندرية.

ومع وفاة أنطونيوس وكليوباترا، سقطت المملكة البطلمية ودخلت مصر تحت الحكم الروماني، ويؤرخ متحف المتروبوليتان بداية حكمه لمصر بوصول أوكتافيان عام 30 قبل الميلاد.

وفي عام 27 قبل الميلاد، منحه مجلس الشيوخ لقب "أغسطس"، ويعني في أقرب دلالاته، "المبجل" أو "الموقر"، ويحمل إيحاءات دينية؛ إذ اشتُق من صفة كانت تُستخدم لوصف الأماكن والأشياء المقدسة، وفق دراسة صادرة عن جامعة كامبريدج.

ومنذ ذلك الحين، عُرف أوكتافيان باسم.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 6 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 11 ساعة
منذ 22 دقيقة
منذ 3 ساعات
منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
قناة العربية منذ ساعتين
سي ان ان بالعربية منذ 4 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 8 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 16 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 18 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ ساعتين