علّمني أبي أن الرجال لا تُصنعهم الأعمار، بل تصنعهم المسؤوليات. وأن الوقار لا يُشترى بثوبٍ فاخر، ولا تمنحه مرآة، ولا تصنعه صورة، بل تبنيه الأيام حين تثقل الأكتاف بالأمانات، وتضيق السبل، ويحتاج
إلى رجلٍ يسبقهم إلى الواجب، لا إلى من يسبقهم إلى المرآة.
وكان يقول لي: إذا أردتِ أن تعرفي معدن الرجل، فلا تنظري إلى مظهره، بل إلى موقفه حين تُمتحن الأخلاق، وحين تصبح المصلحة في جهة، والحق في جهة أخرى. ولم أكن أدرك يومها عمق هذه الكلمات كما أدركها اليوم، وأنا أرى كيف تغيّرت صورة الرجولة في أذهان كثيرين، وكيف أصبح بعض الشباب يلهثون خلف الصورة، بينما تضيع منهم الحقيقة. ولم يكن الفارق بين جيل الأمس وجيل
فارقًا في الذكاء، ولا في الطموح، ولا في القدرة على التعلم، بل كان فارقًا في فلسفة التربية. فقد تربّى جيلٌ على أن الحياة لا تمنح شيئًا مجانًا، وأن الكرامة تُكتسب بالعمل، وأن الرجل كلما اشتدت عليه الأيام ازداد صلابة. أما اليوم، فقد نشأت عند بعض الشباب ثقافة جديدة، تُربّي الإنسان على الراحة قبل المسؤولية، وعلى الحقوق قبل الواجبات، وعلى الإعجاب قبل الاستحقاق. وليس المقصود هنا ذمَّ الشباب، فكل جيل يضم النبلاء كما يضم الضعفاء، وإنما الحديث عن ظاهرة اجتماعية أخذت تتسلل إلى بيوتنا بصمت، حتى غدت عند البعض أسلوب حياة؛ ظاهرة الدلال المفرط، وهشاشة الشخصية، والاعتقاد أن الرجولة تُقاس بما يظهر للناس، لا بما يختبئ في الضمير. لقد تبدلت المعايير حتى أصبح بعض الشباب يقضي وقتًا في ترتيب مظهره أكثر مما يقضيه في ترتيب مستقبله. يعرف أسماء العطور العالمية، ويتابع أحدث قصّات الشعر، ويحرص على أن تكون صورته كاملة التفاصيل، لكنه قد لا يحرص بالقدر نفسه على بناء خلقه، أو تثقيف عقله، أو
بكلمته. وليس العيب في الأناقة، فالإسلام دين الجمال، والذوق الرفيع من حسن المروءة، وإنما العيب أن يصبح المظهر هو المشروع، وأن تتحول الشخصية إلى مجرد واجهة، بينما يبقى الجوهر فارغًا. وما يؤلم أكثر أن بعض الشباب لم يكتفوا بالمبالغة في الاهتمام بالصورة، بل جعلوا من الاستعراض أسلوبًا للحياة. يتراقصون طلبًا للفت الأنظار، ويتباهون بحركاتٍ كانت الأجيال السابقة تستحي أن تُنسب إليها، ويتنافسون في كل ما يثير الضجيج، حتى غدا التصفيق غاية، والإعجاب إنجازًا، والشهرة قيمةً بحد ذاتها، ولو جاءت على حساب الوقار. لقد تربينا على أن للرجل هيبةً لا يفرط فيها، وأن الوقار لا يعني العبوس، بل يعني أن يعرف الإنسان حدود نفسه، فلا يجعلها مسرحًا لكل عين، ولا مادةً لكل تعليق، ولا سلعةً تُعرض طلبًا للإعجاب. كنا نستحي من بعض التصرفات لأنها.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
