لا يمكن مقاربة العقيدة الأمنية الإيرانية من دون التوقف عند ثلاث ركائز بنيوية: استراتيجية حروب الوكالة، وشبكة الأذرع العابرة للحدود، ومفهوم (وحدة الساحات)؛ وهي أفكار تبنتها الجمهورية الإيرانية منذ عام 1979، في إطار منهجية (تصدير الثورة) وبناء عمق أمني ممتد خارج الحدود، فواقع الحال يشير لمشهد أبعد بكثير من مجرد ارتال مقاتلين عابرين للحدود؛ ليجسد من يفكك الحدث أننا أمام استثمار ممنهج في الأزمات المفتوحة وكل ما احتاجته طهران في البداية هو بيئة مضطربة تدور في رحاها حرب أهلية تستنزف المجتمع، أو انقسام طائفي حاد يمزق النسيج الوطني، أو دولة مرهقة وهشة أمنيا بفعل الانهيار أو الفوضى.
وداخل هذا الواقع المرتبك، تبحث إيران عن جماعة محلية تحمل شعورا متراكما بالمظلومية وتمتلك خطابا قادر على لمس عصب الشارع، وقاعدة اجتماعية أولية ترى فيها تعبيرا عن ذاتها، فإذا توافرت هذه المعطيات بدأت أولى خطوات نسج خيوط الشبكة من دعم مالي إلى قنوات التواصل سياسية، لتتدرج العلاقة وصولا للتدريب والتسليح قبل أن تتحول هذه الجماعة مع الوقت إلى حزب منظم وإعلام ناطق ومؤسسات تعليمية وخدماتية، بحيث تنشئ ذراعا إيرانية في دولة تقع خارج الجغرافيا الإيرانية، لكنها تدار ضمن حسابات أمنها القومي.
والمتتبع لخريطة الأذرع الإيرانية يجد أنها تشكلت بمنطق تراكمي؛ كانت بداياتها مع تجربة حزب الله بوصفه النموذج الأنجح والذي خرج من رحم حرب أهلية، رافقه توفير مال وسلاح وشبكة من الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية، ليتكرر المشهد نفسه في العراق باحتضان إيران للمعارضة الشيعية وتأسيس جناحها العسكري في ثمانينيات القرن الماضي المتمثل في (فيلق بدر)، قبل أن يجري لاحقا توظيف ما يعرف بــ(الحشد الشعبي)، في حين أن الهم الإيراني في سوريا تمحور حول حماية الممر البري الواصل بينها وبين حزب الله، فعملت على استقدام مقاتلين شيعة من العراق، وتجيد لاجئين في لوائي الفاطميين والزينبين، لتحويل الساحة السورية إلى نقطة ارتكاز تخدم مشروعها الإقليمي، وفي صعدة شمال اليمن، وجدت إيران في البيئة الزيدية وحركة الحوثيين بقيادة حسين بدر الدين الحوثي حركة محلية معارِضة قابلة للاحتواء والتطوير، فنقلت الحوثيين من إطار احتجاجي محدود إلى فاعل عسكري سياسي عابر للحدود.
وتكمن الخطورة القصوى في هذه المصفوفة عندما ينجح هذا الذراع في التغلغل إلى قلب مؤسسات الدولة وبلوغ مفاصل أمنية وإدارية حساسة، تتيح له الإمساك بقرارات مصيرية من دون العودة إلى الدولة الوطنية التي ينشط في كنفها، عندها نصبح عمليا أمام جيشين داخل الدولة الواحدة مع سلاح عابر للحدود، ومرجعية سياسية وأيديولوجية مغايرة لمرجعية الدولة، وفي لحظة حاسمة يمكن لهذه الميليشيات أن تتخذ قرار يتجاوز حدود الدولة المضيفة؛ فيدفع شعب كامل ثمن مواجهة لم يختر توقيتها ولا مداها، بل فرضت عليه من شبكة أوسع تدار بتنسيق مركزي من خارج الحدود، وتتعامل مع هذه الجغرافيا بوصفها ساحة إضافية في معركة أكبر لا تُدار لحساب مصالح المواطنين، بل لخدمة موازين قوى إقليمية أوسع.
والمفارقة أن هذه الجماعات يسوق لها إعلاميا بوصفها درع لحماية المجتمع أو قوى مقاومة، لكن التشغيل الفعلي لها، تحت ضغط تسارع الأحداث الإقليمية، كشف عن وظيفة أشد خطورة ترفع كلفة الصراع في الإقليم وتفرغ بؤر التوتر خارج الجغرافيا الإيرانية، وبالتالي فإن طهران تمارس بذلك منطق استراتيجية الحرب بالوكالة لتقوم الأذرع بالردع والهجوم نيابة عنها، وفي كل مرة تتحرك هذه الميليشيات تستدرج الدول التي تنشط على أراضيها، وتحول جغرافيتها إلى ساحة حرب بينما تبقى طهران على مسافة من خط النار المباشر، تتحكم بالإيقاع من الخلف وتترك الدول العربية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الغد الأردنية
