اقتصاد الانحطاط: عندما نستورد الثقافة

كتب - عبدالرزاق بني هاني لا تخشى الأمم الواعية انفتاحها على العالم، لأنها تدرك أن الحضارة الإنسانية قامت على التفاعل والتبادل والتراكم. فالعلوم هاجرت من الشرق إلى الغرب، والفلسفة انتقلت بين القارات، والتقنيات لم تعرف حدوداً سياسية، والأفكار العظيمة لم تحمل يوماً جواز سفر. إلا أن المشكلة لا تبدأ عندما نستورد المعرفة، وإنما عندما نستورد أنماطاً من السلوك والعادات والاستهلاك دون أن نسأل هل تضيف إلى مجتمعنا أم تستنزفه؟ وهل ترفع من إنتاجيتنا أم تستهلك ما تبقى لدينا من وقت ومال وطاقة؟ فالثقافة ليست الأغاني التي نستمع إليها، ولا الملابس التي نرتديها، ولا المطاعم التي نتردد عليها فحسب؛ بل هي منظومة كاملة تحدد كيف نفكر، وكيف نعمل، وكيف ننفق، وكيف نحترم القانون، وكيف ننظر إلى الوقت، وكيف نربي أبناءنا، وكيف نتعامل مع المال العام والخاص. ولهذا فإن استيراد الثقافة ليس عملية بريئة دائماً، لأن ما ينتقل بين المجتمعات ليس أفضل ما لديها بالضرورة، بل قد يكون أكثر ما يسهل تسويقه واستهلاكه. فقد أصبح العالم اليوم سوقاً هائلة لا تبيع السلع وحدها، بل تبيع أنماط الحياة أيضاً. فكل دقيقة يقضيها الإنسان أمام شاشة، وكل إعلان يطارده، وكل مؤثر يسعى إلى تشكيل ذوقه، هي جزء من اقتصاد عالمي، الريادة فيه للصهيونية، يقوم على جذب الانتباه وتحويله إلى استهلاك. وفي هذا الاقتصاد الجديد، لا يُقاس النجاح دائماً بما ينتجه الإنسان، بل كثيراً بما يشتريه، وما يعرضه، وما يستهلكه. ومن هنا تبدأ المعضلة. إذ قد نجد مجتمعات تعاني شح الموارد، وارتفاع معدلات البطالة، وضيق الفرص الاقتصادية، لكنها في الوقت ذاته تنفق بسخاء على أنشطة لا تضيف قيمة اقتصادية أو معرفية، وتتنافس في اقتناء الكماليات قبل الضروريات، وتستهلك ساعات طويلة في متابعة محتوى ترفيهي لا يطور مهارة، ولا يبني معرفة، ولا يخلق فرصة عمل. ولا يعني كلامي هذا ذلك أن الترفيه خطأ، أو أن الانفتاح الثقافي مرفوض، أو أن كل ما يأتي من الخارج مذموم. فالفنون والرياضة والترفيه جزء من الحياة الإنسانية. لكن السؤال الاقتصادي يبقى مشروعاً: ماذا يحدث عندما تتحول الكماليات إلى أولويات، ويصبح الإنفاق الاستهلاكي بديلاً عن الاستثمار في الإنسان، وفي التعليم، وفي المهارة، وفي الإنتاج؟ ولعل أخطر ما يرافق هذا التحول هو إعادة تشكيل مفهوم النجاح. فبدلاً من أن يكون النجاح مرتبطاً بالعلم، والإتقان، والعمل، والإبداع، قد يصبح مرتبطاً بالظهور والاستهلاك واستعراض أنماط حياة يصعب على كثيرين مجاراتها. وعندما يحدث ذلك، تتولد فجوة بين الطموحات والقدرات، فينشأ الإحباط، ويضعف الرضا، وتزداد الضغوط الاجتماعية، لأن الناس يقارنون أنفسهم بصور مثالية أكثر من مقارنتهم بواقعهم. وللثقافة المستوردة وجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طريقة تعاملنا مع الفضاء العام. فالشارع ليس مجرد طريق، بل هو مرآة للنظام الاجتماعي. وعندما تتراجع ثقافة احترام المساحات المشتركة، ويغدو الضجيج أمراً عادياً، ويُنظر إلى النظام باعتباره قيداً لا قيمة له، فإن كلفة ذلك لا تكون جمالية فقط، بل اقتصادية أيضاً. فالوقت الذي يهدر في الفوضى، والطاقة التي تستنزف في النزاعات اليومية، وتراجع الثقة بين الأفراد، كلها.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جو ٢٤

منذ 7 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
خبرني منذ 9 ساعات
قناة المملكة منذ 6 ساعات
وكالة أنباء سرايا الإخباريه منذ 8 ساعات
خبرني منذ 7 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ ساعة
خبرني منذ 3 ساعات
قناة رؤيا منذ 4 ساعات
خبرني منذ ساعة