إرهاق السفر بسبب فرق التوقيت: لماذا يزعجنا؟ وكيف نخفف من آثاره؟

مصدر الصورة: Getty Images

يعد إرهاق السفر بسبب فرق التوقيت من الآثار الشائعة التي يصعب تجنبها عند السفر لمسافات طويلة، وله تأثيرات متعددة على الجسم. إليكم كيف يمكن الحد من أسوأ آثاره.

وربما لا ينبغي أن نستغرب أن السفر جواً إلى الجانب الآخر من العالم، بسرعة لم يكن أجدادنا يتخيلونها، يجعلنا نشعر بالإرهاق.

ويعد التعب أكثر أعراض إرهاق السفر بسبب فرق التوقيت وضوحاً. فمن استقل رحلة ليلية من الولايات المتحدة إلى أوروبا، ثم حاول البقاء مستيقظاً في العمل في اليوم التالي، يعرف ذلك جيداً. وفي منتصف الليل، قد تعتقد ساعتكم البيولوجية أن وقت النشاط قد حان، فتجدون أنفسكم مستيقظين تماماً رغم الإرهاق.

لكن الأمر لا يقتصر على الشعور بالتعب، إذ يؤثر إرهاق السفر بسبب فرق التوقيت في الجسم بطرق متعددة، فيجهد الخلايا والأعضاء، ويعطل إصلاح الخلايا، ويؤثر في وظائف الكبد والكلى. وقد يسبب الصداع وآلام العضلات، كما يمكن أن يؤدي اضطراب الهضم إلى الغثيان أو الإسهال أو الإمساك.

ويمتد التأثير إلى الذهن أيضاً، إذ قد تجعل ضبابية الذهن التركيز أكثر صعوبة وتزيد من النسيان، وقد يصاحب ذلك شعور بالانزعاج أو اللامبالاة.

فما الذي يمكنكم فعله للتخفيف من أسوأ هذه الآثار؟

المسبب الرئيسي ليس قلة النوم، بل اضطراب الساعة البيولوجية للجسم. وتعمل هذه الساعة وفق دورة تمتد نحو 24 ساعة، وتنظم أوقات النوم وتناول الطعام والنشاط.

لكن الساعة البيولوجية تحتاج إلى إعادة ضبط بسيطة كل يوم، لأن دورتها الطبيعية تزيد قليلاً على 24 ساعة. وحتى يبقى الجسم متوافقاً مع تعاقب الليل والنهار، ترصد خلايا عصبية حساسة للضوء في شبكية العين حلول الظلام، ثم ترسل سلسلة من الإشارات تنتهي بتحفيز الغدة الصنوبرية، وهي غدة صغيرة تشبه ثمرة الصنوبر وتقع في الجزء الخلفي من الدماغ، على إفراز هرمون النوم الميلاتونين.

ويتحكم في هذا النظام جزء من الدماغ يعرف باسم "النواة فوق التصالبية" (SCN). ويوضح راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب المتخصص في الإيقاعات اليومية بجامعة أكسفورد ومؤلف كتاب "لايف تايم"، أن هذه النواة تشبه قائد الأوركسترا، إذ تنظم إيقاع حياتنا بما يتوافق مع دورات الليل والنهار.

أو على الأقل، هذا ما تفعله إلى أن نستقل رحلة جوية طويلة. عندها يصبح الأمر كما لو أن الأوركسترا فقدت قائدها، فتختل الإيقاعات ويعم الارتباك.

أعراض مزعجة يتأثر بعض الأشخاص بإرهاق السفر بسبب فرق التوقيت أكثر من غيرهم، بحسب عوامل عدة، من بينها التركيبة الجينية والأدوية التي يتناولونها بانتظام. وتزداد حدة الأعراض عادةً كلما عبرنا عدداً أكبر من المناطق الزمنية، وكذلك عندما تقصر ساعات النهار أو نسافر باتجاه الشرق.

ورغم أن هذه الأعراض قد تكون مزعجة، فإنها تكون لدى معظم الناس مؤقتة ولا تتكرر باستمرار. لكن هناك فئة يصعب عليها تجنب إرهاق فرق التوقيت، وهي أطقم الطائرات.

وبالنسبة للطيارين وأفراد طواقم الضيافة الجوية، يمكن لطبيعة جدول العمل وتوزيع الرحلات وفترات الراحة أن تحدث فرقاً كبيراً في قدرة الجسم على التعافي واستعادة إيقاعه الطبيعي.

:::

قارنت إحدى الدراسات بين مضيفات طيران يعملن وفق جداول لا تتيح لهن سوى فترات قصيرة للراحة بين الرحلات، وأخريات كانت جداولهن أكثر مرونة، إذ يعبرن عدداً أقل من المناطق الزمنية ويسافرن بوتيرة أقل. وأظهرت النتائج أن أفراد المجموعة ذات الجداول الأكثر إرهاقاً كانت لديهن مستويات أعلى من هرمون التوتر الكورتيزول في اللعاب.

ولا يشكل ذلك مشكلة كبيرة على المدى القصير، إذ يحتاج الجسم إلى الكورتيزول لمساعدتنا على الاستيقاظ صباحاً والتعامل مع المواقف المسببة للتوتر. لكن التعرض لفترات طويلة لمستويات مرتفعة منه قد يضعف الجهاز المناعي ويزيد خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ولا يقتصر تأثير إرهاق السفر بسبب فرق التوقيت في الدماغ على التغيرات الهرمونية. ففي دراسة شاقة أجريت في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أخضعت حيوانات الهامستر لجدول نوم استمر أربعة أسابيع، يعادل من حيث تأثيره السفر من نيويورك إلى باريس مرتين أسبوعياً.

وعندما كانت الحيوانات تعاني من إرهاق فرق التوقيت، واجهت صعوبة في أداء مهام كانت تنجزها عادةً بسهولة.

أما ما فاجأ الباحثين فكان طول أمد هذه التأثيرات، إذ لم تستعد حيوانات الهامستر أداءها المعتاد حتى بعد مرور شهر. وكشفت دراسات عصبية أنها، خلال فترة اضطراب الساعة البيولوجية، كانت تنتج عدداً أقل من الخلايا العصبية الجديدة في منطقة الحصين، وهي جزء من الدماغ يرتبط بالذاكرة.

وتنسجم هذه النتيجة مع ما خلصت إليه دراسة مضيفات الطيران، التي رصدت أيضاً تغيرات في الدماغ. فقد أظهرت صور المسح أن أفراد المجموعة ذات جداول العمل الأكثر كثافة كانت لديهن، في المتوسط، فصوص صدغية يمنى أصغر حجماً من أفراد المجموعة الأخرى. وربما لم يكن من المستغرب أيضاً أن يسجلن نتائج أقل في اختبارات الذاكرة.

لكن الآثار المحتملة لإرهاق السفر المتكرر بسبب فرق التوقيت لا تقف عند هذا الحد. فقد أظهرت تجارب على فئران مخبرية تعرضت عمداً لاضطراب في إيقاعها اليومي أن الأورام لديها نمت بوتيرة أسرع.

ويرى راسل فوستر أن اضطراب نظام الساعة البيولوجية قد يضعف قدرة الجسم على مقاومة الأورام في مراحلها المبكرة. وفي المقابل، تباطأ نمو الأورام عندما أعيدت الفئران إلى إيقاع يومي طبيعي.

كما أظهرت تجارب مخبرية أن التعرض المزمن لإرهاق السفر بسبب فرق التوقيت قد يقود لدى الفئران إلى سلسلة من التغيرات المرضية، تبدأ بمرض الكبد الدهني غير الكحولي، ثم تتطور إلى التهاب الكبد وتراكم الأنسجة الندبية، قبل أن تنتهي بأحد أنواع سرطان الكبد.

وبطبيعة الحال، أجريت هذه الدراسات على الفئران لا البشر، ولذلك قد لا تنطبق نتائجها علينا مباشرةً. لكن معدلات الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان تبدو أعلى بين العاملين في قطاع الطيران الذين يعبرون مناطق زمنية متعددة بشكل متكرر.

في دراسة حظيت باهتمام واسع خلال تسعينيات القرن الماضي، تبين أن معدلات الإصابة بسرطان البروستاتا بين الطيارين الكنديين كانت أعلى من المتوسط. وفي وقت لاحق، أظهر تحليل تلوي شمل عدداً من الدراسات أن مضيفات الطيران سجلن معدلات أعلى من المتوسط للإصابة بسرطان الثدي والورم الميلانيني، وهو أحد أنواع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 3 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 23 ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 9 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 10 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 15 ساعة
قناة العربية منذ 6 ساعات
قناة روسيا اليوم منذ 4 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 8 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 3 ساعات